تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
الأحجار التي تهبط من خشية اللّه تعالى تمييزا قام لها مقام الفعل المودع فيمن يعقل ، واستدل على ذلك بأن اللّه تعالى وصف بعض الحجارة بالخشية ، وبعضها بالإرادة ، ووصف جميعها بالنطق والتحميد والتقديس والتأويب والتصدّع ، وكل هذه صفات لا تصدر إلا عن أهل التمييز والمعرفة . قال تعالى :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ
« 1 » الآية ،
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
« 2 » ،
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ
« 3 » ، وفي الحديث الصحيح : « إني لأعرف حجرا كان يسلم عليّ قبل أن أبعث وأنه بعد مبعثه ما مرّ بحجر ولا مدر إلا سلم عليه ، وفي الحجر الأسود إنه يشهد لمن يستلمه » . و في حديث الحجر الذي فرّ بثوب موسى عليه السلام وصار يعدو خلفه ويقول : « ثوبي حجر ثوبي حجر » . و في الحديث عن أحد : « أن هذا جبل يحبنا ونحبه » . و في حديث حراء : « لما اهتز أسكن حراء » . و في حديث : « تسبيح صغار الحصى بكف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » . وقد دلت هذه الجملة وأحاديث أخر على نطق الحيوانات والجمادات ، وانقياد الشجر وغير ذلك . فلو لا أنه تعالى أودع فيها قوة مميزة ، وصفة ناطقة ، وحركة اختيارية ، لما صدر عنها شيء من ذلك ، ولا حسن وصفها به . وإلى هذا ذهب مجاهد وابن جريج وجماعة . وقال قوم : الخشية هنا حقيقة ، وهو مصدر أضيف إلى فاعل . والمراد بالحجر الذي يهبط من خشية اللّه هو البرد ، والمراد بخشية اللّه : إخافته عباده ، فأطلق الخشية ، وهو يريد الإخشاء ، أي نزول البرد به ، يخوّف اللّه عباده ، ويزجرهم عن الكفر والمعاصي . وهذا قول متكلف ، وهو مخالف للظاهر . والبرد ليس بحجارة ، وإن كان قد اشتدّ عند النزول ، فهو ماء في الحقيقة . وقال قوم : الخشية هنا حقيقة ، وهو مصدر مضاف للمفعول ، وفاعله محذوف ، وهو العباد . والمعنى : أن من الحجارة ما ينزل بعضه عن بعض عند الزلزلة من خشية عباد اللّه إياه . وتحقيقه : أنه لما كان المقصود منها خشية اللّه تعالى ، صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في ذلك الهبوط ، فكان المعنى : لما يهبط من أجل أن يحصل لعباد اللّه تعالى . وذهب أبو مسلم إلى أن الخشية حقيقة ، وأن الضمير في قوله :
وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
عائد على القلوب ، والمعنى : أن من القلوب قلوبا تطمئن وتسكن ، وترجع إلى اللّه تعالى ، فكنى بالهبوط عن هذا المعنى ، ويريد بذلك قلوب المخلصين . وهذا تأويل بعيد جدا ، لأنه بدأ بقوله :
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ
، ثم قال :
وَإِنَّ مِنْها
، فظاهر الكلام
هامش
( 1 ) سورة الحشر : 59 / 21 . ( 2 ) سورة الإسراء : 17 / 44 . ( 3 ) سورة سبأ : 34 / 10 .