تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
لفعلهم مع أنبيائهم ، أي بغير الحق عندهم ، أي لم يدّعوا في قتلهم وجها يستحقون به القتل عندهم . وقيل : جاء ذلك على سبيل التأكيد كقوله :
وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
« 1 » ، إذ لا يقع قتل نبي إلا بغير الحق ، ولم يأت نبي قط بما يوجب قتله ، وإنما قتل منهم من قتل كراهة له وزيادة في منزلته . قال ابن عباس وغيره : لم يقتل نبي قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال ، وكل من أمر بقتال نصر . قيل : وعرّف الحق هنا لأنه أشير به إلى المعهود في قوله عليه السلام : « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث . وأما المنكر فالمراد به تأكيد العموم ، أي لم يكن هناك حق لا ما يعرفه المسلمون ولا غيره .
ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ
، ذلك : رد على الأول وتكرير له ، فأشير به لما أشير بذلك الأول ، ويجوز أن تكون إشارة إلى الكفر والقتل المذكورين ، فلا يكون تكريرا ولا توكيدا ، ومعناه : أن الذي حملهم على جحود آيات اللّه وقتلهم الأنبياء إنما هو تقدم عصيانهم واعتدائهم ، فجسرهم هذا على ذلك ، إذ المعاصي بريد الكفر .
بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
« 2 » ،
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
« 3 » ، وقولهم
قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
« 4 » . وقد تقدّم تفسير العصيان والاعتداء لغة ، وقد فسر الاعتداء هنا أنه تجاوزهم ما حدّ اللّه لهم من الحق إلى الباطل . وقيل : التمادي على المخالفة وقتل الأنبياء . وقيل : العصيان بنقض العهد والاعتداء بكثرة قتل الأنبياء . وقيل : الاعتداء بسبب المخالفة والإقامة على ذلك الزمن الطويل أثر عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « اختلفت بنو إسرائيل بعد موسى بخمسائة سنة حين كثير فيهم أولاد السبايا ، واختلفوا بعد عيسى بمائة سنة » . وقيل : هو الاعتداء في السبت ، قال تعالى :
وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ
« 5 » . وما : في قوله
بِما عَصَوْا
مصدرية ، أي ذلك بعصيانهم ، ولم يعطف الاعتداء على العصيان لئلا يفوت تناسب مقاطع الآي ، وليدل على أن الاعتداء صار كالشئ الصادر منهم دائما . ولما ذكر تعالى حلول العقوبة بهم من ضرب الذلة والمسكنة والمباءة بالغضب ، بين علة ذلك ، فبدأ بأعظم الأسباب في ذلك ، وهو كفرهم بآيات اللّه . ثم ثنى بما يتلو ذلك في العظم وهو قتل الأنبياء ، ثم أعقب ذلك بما يكون من المعاصي ، وما يتعدى من الظلم . قال معنى هذا صاحب المنتخب ، ويظهر أن قوله ذلك
هامش
( 1 ) سورة الحج : 22 / 46 . ( 2 ) سورة المطففين : 83 / 14 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 88 . ( 4 ) سورة النساء : 4 / 155 . ( 5 ) سورة النساء : 4 / 154 .