تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
أنفسهم ، وأول قدم في القصد إلى اللّه الخروج عن النفس توهم الناس أن توبة بني إسرائيل كانت أشق ، ولا كما توهموا ، فإن ذلك كان مقاساة القتل مرة ، وأما أهل الخصوص ففي كل لحظة قتل ، قال الشاعر :
ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء
ذلِكُمْ
: إشارة إلى المصدر المفهوم من قوله : فاقتلوا ، لأنه أقرب مذكور ، أي القتل :
خَيْرٌ لَكُمْ
وقال بعضهم : هو إشارة إلى المصدرين المفهومين من قوله : فتوبوا واقتلوا ، فأوقع المفرد موقع التثنية ، أي فالتوبة والقتل خير لكم ، فيكون مثل قولهم في قوله تعالى :
عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
« 1 » أي بين ذينك أي الفارض والبكر ، وكذلك قوله :
إن للخير وللشر مدى * وكلا ذلك وجه وقبل
أي : وكلا ذينك ، وهذا ينبني على ما قدمناه من أن قوله : فاقتلوا ، هل هو تفسير للتوبة ؟ فتكون التوبة هي القتل . فينبغي أن يكون ذلكم مفردا أشير به إلى مفرد ، وهو القتل ، أو يكون القتل مغايرا للتوبة ، فيحتمل هذا الذي قاله هذا القائل ، ولكن الأرجح خير ، إن كانت للتفضيل فقيل : المعنى خير من العصيان والإصرار على الذنب . وقيل : خير من ثمرة العصيان ، وهو الهلاك الذي لهم ، إذ الهلاك المتناهي خير من الهلاك غير المتناهي ، إذ الموت لا بد منه ، فليس فيه إلا التقديم والتأخير . وكلا هذين التوجيهين ليس التفضيل على بابه ، إذ العصيان والهلاك غير المتناهي لا خير فيه ، فيوصف غيره بأنه أزيد في الخيرية عليه ، ولكن يكون على حد قولهم : العسل أحلى من الخل . ويحتمل أن لا يكون للتفضيل بل أريد به خير من الخيور . لكم : متعلق بخير إن كان للتفضيل ، وإن كانت على أنها خير من الخيور فيتعلق بمحذوف ، أي خير كائن لكم . والتخريجان يجريان في نصب قوله :
عِنْدَ بارِئِكُمْ
. والعندية هنا مجاز ، إذ هي ظرف مكان وتجوّز به عن معنى حصول ثوابهم من اللّه تعالى . وكرر البارئ باللفظ الظاهر توكيدا ، ولأنها جملة مستقلة فناسب الإظهار ، وللتنبيه على أن هذا الفعل هو راجح عند الذي أنشأكم ، فكما رأى أن إنشاءكم راجح ، رأى أن إعدامكم بهذا الطريق من القتل راجح ، فينبغي التسليم له في كل حال ، وتلقي ما يرد من قبله بالقبول والامتثال .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 68 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 338 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل