تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
جهرة ، أو على معنى جاهرين بالرؤية لا على طريق المبالغة نحو : رجل صوم ، لأن المبالغة لا تراد هنا . فعلى القول الأوّل تكون الجهرة من صفات الرّؤية ، وعلى هذا القول تكون من صفات الرائين ، وثم قول ثالث ، وهو أن يكون راجعا لمعنى القول ، أو القائلين ، فيكون المعنى : وإذ قلتم كذا قولا جهرة أو جاهرين بذلك القول ، لم يسروه ولم يتكاتموا به ، بل صرحوا به وجهروا بأنهم أخبروا بانتفاء الإيمان مغيا بالرؤية . والقول بأن الجهرة راجع لمعنى القول مروي عن ابن عباس وأبي عبيدة ، والظاهر تعلقه بالرؤية لا بالقول ، وهو الذي يقتضيه التركيب الفصيح . وقرأ ابن عباس وسهل بن شعيب وحميد بن قيس : جهرة ، بفتح الهاء ، وتحتمل هذه القراءة وجهين : أحدهما : أن يكون جهرة مصدرا كالغلبة ، فتكون معناها ومعنى جهرة المسكّنة الهاء سواء ، ويجري فيها من الإعراب الوجوه التي سبقت في جهرة . والثاني : أن يكون جمعا لجاهر ، كما تقول : فاسق وفسقة ، فيكون انتصابه على الحال ، أي جاهرين بالرؤية . قال الزمخشري : وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه السلام رادّهم ، وعرّفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال ، وأن من استجاز على اللّه الرؤية ، فقد جعله من جملة الإقسام أو الإعراض ، فرادوه بعد بيان الحجة ووضوح البرهان ، ولجوا فكانوا في الكفر كعبدة العجل ، فسلط اللّه عليهم الصاعقة ، كما سلط على أولئك القتل ، تسوية بين الكافرين ، ودلالة على عظمها بعظم المحنة . ا ه . كلامه . وهو مصرّح باستحالة رؤية اللّه تعالى بالأبصار . وهذه المسألة فيها خلاف بين المسلمين . ذهبت القدرية والمعتزلة والنجارية والجهمية ومن شاركهم من الخوارج إلى استحالة ذلك في حق الباري سبحانه وتعالى ، وذهب أكثر المسلمين إلى إثبات الرؤية . فقال الكرامية : يرى في جهة فوق وله تحت ، ويرى جسما ، وقالت المشبهة : يرى على صورة ، وقال أهل السنة : لا مقابلا ، ولا محاذيا ، ولا متمكنا ، ولا متحيزا ، ولا متلونا ، ولا على صورة ولا هيئة ، ولا على اجتماع وجسمية ، بل يراه المؤمنون ، يعلمون أنه بخلاف المخلوقات كما علموه كذلك قبل . وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة الثابتة في رؤية اللّه تعالى ، فوجب المصير إليها . وهذه المسألة من أصعب مسائل أصول الدين ، وقد رأيت لأبي جعفر الطوسي من فضلاء الإمامية فيها مجلدة كبيرة ، وليس في الآية ما يدل على ما ذهب إليه الزمخشري من استحالة الرؤية ، لكن عادته تحميل الألفاظ ما لا تدل عليه ، خصوصا ما يجر إلى مذهبه الاعتزالي ، نعوذ باللّه من العصبية فيما لا ينبغي . وكذلك