تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
موسى في المناجاة بطور سيناء ، والمقتولون من عداهم . وإذا قلنا : إن بعضهم قتل بعضا ، فاختلفوا في كيفية القتل ، فقيل : اصطفوا صفين ، فاجتلدوا بالسيوف والخناجر ، فقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم : كفوا ، فكان ذلك شهادة للمقتول ، وتوبة للقاتل ، وقيل : أرسل اللّه عليهم ظلاما ففعلوا ذلك . وقيل : وقف عباد العجل صفا ، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم . وقيل : احتبى عباد العجل في أفنية دورهم ، أو في موضع غيره ، وخرج عليهم يوشع بن نون وهم محتبون فقال : ملعون من حل حبوته ، أو مد طرفه إلى قاتله ، أو اتقاه بيد أو رجل ، فيقولون : آمين . فما حل أحد منهم حبوته حتى قتل منهم سبعون ألفا . وفي رواية ، قال لهم : من حل حبوته لم تقبل توبته ، ولم يذكر اللعنة . وقيل : إن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه ، فلم يمكنهم المضي لأمر اللّه ، فأرسل اللّه ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها ، وأمروا أن يحتبوا بأفنية بيوتهم ، ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم ، وقيل لهم : أصبروا ، فلعن اللّه من مد طرفه ، أو حل حبوته ، أو اتقى بيد أو رجل ، فيقولون : آمين ، فقتلوهم إلى المساء ، حتى دعا موسى وهارون ، قالا : يا رب ! هلكت بنو إسرائيل البقية البقية ، فكشفت السحابة ونزلت التوبة ، فسقطت الشفار من أيديهم ، وكانت القتلى سبعين ألفا . انتهى ما نقلناه من بعض ما أورده المفسرون في كيفية القتل وفي القاتلين والمقتولين . وفي ذلك من الاتعاظ والاعتبار ما يوجب مبادرة الازدجار عن مخالفة الملك القهار . وانظر إلى لطف اللّه بهذه الملة المحمدية ، إذ جعل توبتها في الإقلاع عن الذنب ، والندم عليه ، والعزم على عدم المعاودة إليه . والفاء في قوله :
فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
، إن قلنا : إن التوبة هي نفس القتل ، وأن اللّه تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم ، فتكون هذه الجملة بدلا من قوله ، فتوبوا ، والفاء كهي في فتوبوا معها السببية . وإن قلنا : إن القتل هو تمام توبتهم ، فتكون الفاء للتعقيب ، والمعنى فأتبعوا التوبة القتل ، تتمة لتوبتكم . وقد أنكر في المنتخب كون القتل يكون توبة وجعل القتل شرطا في التوبة ، فأطلق عليه مجازا ، كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة : توبتك رد ما غصبت ، يعني أنه لا تنم توبتك إلا به ، فكذلك هنا . وتعدية التوبة بإلى معناه الانتهاء بها إلى اللّه ، فتكون بريئة من الرياء في التوبة ، لأنهم إن راءوا بها لم تكن إلى اللّه . ولا يلتفت إلى ما وقع في المنتخب من أن المفسرين أجمعوا على أنهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ، إذ قد نقلنا أن منهم من قال ذلك ، فليس بإجماع . وأما منع عبد الجبار ذلك من جهة العقل ، بأن القتل هو نقض البنية التي عنده ، يجب أن يخرج من أن يكون حيا ، وما عدا ذلك إنما