تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
نفس ، لأنها نكرة في سياق النفي فتعم ، كقوله تعالى :
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ
« 1 » ، وأتى به مذكرا لأنه أريد بالنفوس الأشخاص كقولهم : ثلاثة أنفس ، وجعل حرف النفي منسحبا على جملة اسمية ليكون الضمير مذكورا مرتين ، فيتأكد ذكر المنفي عنه النصر بذكره مرتين ، وحسن الحمل على المعنى كون ذلك في آخر فاصلة ، فيحصل بذلك التناسب في الفواصل ، بخلاف أن لو جاء ولا تنصر ، إذ كان يفوت التناسب . ويحتمل رفع هذا الضمير وجهين من الإعراب . أحدهما : وهو المتبادر إلى أذهان المعربين أنه مبتدأ ، والجملة بعده في موضع رفع على الخبر . والوجه الثاني : وهو أغمض الوجهين وأغربهما أنه مفعول لم يسم فاعله ، يفسر فعله الفعل الذي بعده ، وتكون المسألة من باب الاشتغال ، وذلك أن لا هي من الأدوات التي هي أولى بالفعل ، كهمزة الاستفهام . فكما يجوز في : أزيد قائم ، وأزيد يضرب ، الرفع على الاشتغال ، فكذلك هذا ، ويقوي هذا الوجه أنه تقدم جملة فعلية . والحكم في باب الاشتغال أنه إذا تقدمت جملة فعلية وعطف عليها بشرط العطف المذكور في ذلك الباب ، فالأفصح الحمل على الفعل ، ويجوز الابتداء كما ذكرنا أولا ، ويقوي عود الضمير إلى نفس الثانية بناء الفعل للمفعول ، إذ لو كان عائدا على نفس الأولى لكان مبنيا للفاعل ، كقوله : لا تجزي . ومن المفسرين من جعل الضمير في ولا هم عائدا على النفسين معا ، قال : لأن التثنية جمع قالوا ، وفي معنى النصر للمفسرين هنا ثلاثة أقوال : أحدها : أن معناه لا يمنعون من عذاب اللّه . الثاني : لا يجدون ناصرا ينصرهم ولا شافعا يشفع لهم . الثالث : لا يعاونون على خلاصهم وفكاكهم من موبقات أعمالهم . وثلاثة الأقوال هذه متقاربة المعنى ، وجاء النفي لهذه الجمل هنا بلا المستعملة لنفي المستقبل في الأكثر ، وكذلك هذه الأشياء الأربعة هي مستقبلة ، لأن هذا اليوم لم يقع بعد . وترتيب هذه الجمل في غاية الفصاحة ، وهي على حسب الواقع في الدنيا ، لأن المأخوذ بحق ، إما أن يؤدى عنه الحق فيخلص ، أو لا يقضى عنه فيشفع فيه ، أو لا يشفع فيه فيفدى ، أو لا يفدى فيتعاون بالإخوان على تخليصه . فهذه مراتب يتلو بعضها بعضا . فلهذا ، واللّه أعلم ، جاءت مترتبة في الذكر هكذا . ولما كان الأمر مختلفا عند الناس في الشفاعة والفدية ، فمن يغلب عليه حب الرئاسة قدم الشفاعة على الفدية ، ومن يغلب عليه حب المال قدم الفدية على الشفاعة ، جاءت هذه
هامش
( 1 ) سورة الحاقة : 69 / 47 .