تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
الجمل هنا مقدما فيها الشفاعة ، وجاءت الفدية مقدمة على الشفاعة في جملة أخرى ، ليدل ذلك على اختلاف الأمرين . وبدئ هنا بالشفاعة ، لأن ذلك أليق بعلوّ النفس ، وجاء هنا بلفظ القبول ، وهناك بلفظ النفع ، إشارة إلى انتفاء أصل الشيء ، وانتفاء ما يترتب عليه . وبدئ هنا بالقبول ، لأنه أصل للشيء المترتب عليه ، فأعطى المتقدم ذكر المتقدم وجودا ، وأخر هناك النفع إعطاء للمتأخر ذكر المتأخر وجودا .
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
: تقدم الكلام على إذ في قوله :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ
« 1 » . ومن أجاز نصب إذ هناك مفعولا به بإضمار اذكر أو ادّعى زيادتها ، فقياس قوله هناك إجازته هنا ، إذ لم يتقدم شيء تعطفه عليه إلا أن ادّعى مدّع أن إذ معطوفة على معمول اذكروا ، كأنه قال : اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم ، ووقت تنجيتكم ويكون قد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة الاعتراض التي هي :
وَاتَّقُوا يَوْماً
. وقد قدمنا أنا لا نختار أن يكون مفعولا به بأذكر ، لا ظاهرة ولا مقدرة ، لأن ذلك تصرف فيها ، وهي عندنا من الظروف التي لا يتصرف فيها إلا بإضافة اسم زمان إليها على ما قرر في النحو . وإذا كان كذلك ، فالذي نختاره أن ينتصب على الظرف ، ويكون العامل فيه فعلا محذوفا يدل عليه ما قبله ، تقديره : وأنعمنا عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون ، وتقدير هذا الفعل أولى من كل ما قدمناه . وخرج بقوله : أنجيناكم إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه من ضمير المتكلم الذي لا يدل على تعظيم في قوله :
نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ
، لأن هذا الفعل الذي هو الإنجاء من عدوّهم ، هو من أعظم ، أو أعظم النعم ، فناسب الأعظم نسبته للمعظم نفسه . وقرئ : بأنجيناكم ، والهمزة للتعدية إلى المفعول ، كالتضعيف في نجيناكم . ونسبة هذه القراءة للنخعي . وذكر بعضهم أنه قرأ : أنجيتكم ، فيكون الضمير موافقا للضمير في نعمتي ، والمعنى : خلصتكم من آل فرعون ، وجعل التخليص منهم لأنهم هم الذين كانوا يباشرونهم بهذه الأفعال السيئة ، وإن كان أمرهم بذلك فرعون ، وآل فرعون هنا أهل مصر ، قاله مقاتل ، أو أهل بيته خاصة ، قاله أبو عبيد ، أو أتباعه على ذنبه ، قاله الزجاج ، ومنه :
وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ *
« 2 » ، وهم أتباعه على ذنبه ، إذ لم يكن له أب ، ولا بنت ، ولا ابن ، ولا عم ، ولا أخ ، ولا عصبة ، وأدخلوا آل فرعون أشد العذاب . وروي أنه قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : من آلك ؟ فقال : « كل تقي » . ويؤيد القول الثاني : لا تحل الصدقة لمحمد وآل محمد . والمراد بالآل هنا : آل عقيل ، وآل عباس ، وآل
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 30 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 50 ، وسورة الأنفال : 8 / 54 .