تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ *
« 1 » وقرأ ابن السماك العدوي لا تجزي من أجزأ ، أي أغنى ، وقيل جزا ، واجزا ، بمعنى واحد ، وهذه الجملة صفة لليوم ، والرابط محذوف ، فيجوز أن يكون التقدير : لا تجزي فيه ، فحذف حرف الجر ، فاتصل الضمير بالفعل ، ثم حذف الضمير ، فيكون الحذف بتدريج أو عداه إلى الضمير أولا اتساعا . وهذا اختيار أبي عليّ ، وإياه نختار . قال المهدوي : والوجهان ، يعني تقديره : لا تجزي فيه ولا تجزيه جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج . وقال الكسائي : لا يكون المحذوف إلا لهاء ، قال : لا يجوز أن تقول : هذا رجل قصدت ، ولا رأيت رجلا أرغب ، وأنت تريد قصدت إليه وأرغب فيه ، انتهى . وحذف الضمير من الجملة الواقعة صفة جائز ، ومنه قوله :
فما أدري أغيرهم تناء * وطول العهد أم مال أصابوا
يريد : أصابوه ، وما ذهبوا إليه من تعيين الربط أنه فيه ، أو الضمير هو الظاهر ، وقد يجوز على رأي الكوفيين أن يكون ثم رابط ، ولا تكون الجملة صفة ، بل مضاف إليها يوم محذوف لدلالة ما قبله عليه ، التقدير : واتقوا يوما يوم لا تجزي ، فحذف يوم لدلالة يوما عليه ، فيصير المحذوف في الإضافة نظير الملفوظ به في نحو قوله تعالى :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ
« 2 » ، ونظير يوم لا تملك ، لا تحتاج الجملة إلى ضمير ، ويكون إعراب ذلك المحذوف بدلا ، وهو بدل كل من كل ، ومنه قول الشاعر :
رحم اللّه أعظما دفنوها * بسجستان طلحة الطلحات
في رواية من خفض التقدير أعظم طلحة . وقد قالت العرب : يعجبني الإكرام عندك سعد ، بنية : يعجبني الإكرام إكرام سعد . وحكى الكسائي عن العرب : أطعمونا لحما سمينا شاة ذبحوها ، أي لحم شاة . وحكى الفراء عن العرب : أما واللّه لو تعلمون العلم الكبيرة سنة ، الدقيق عظمه ، على تقديره : لو تعلمون علم الكبيرة سنة ، فحذف الثاني اعتمادا على الأول ، ولم يجز البصريون ما أجازه الكوفيون من حذف المضاف وترك المضاف إليه على خفضه في : يعجبني القيام زيد ، ولا يبعد ترجيح حذف يوم لدلالة ما قبله عليه بهذا المسموع الذي حكاه الكسائي والفراء عن العرب . ويحسن هذا التخريج كون المضاف إليه جملة ، فلا يظهر فيها إعراب ، فيتنافر مع إعراب ما قبله ، فإذا جاز ذلك في نثرهم مع التنافر ، فلأن يجوز مع عدم التنافر أولى . ولم أر أحدا من المعربين والمفسرين
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 28 . ( 2 ) سورة المرسلات : 77 / 35 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 307 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل