تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
الواو دون سائر حروف العطف ، وكان أستاذنا العلامة أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي يذكر لنا هذا النحو من العطف ، وأنه يسمى بالتجريد ، كأنه جرد من الجملة وأفرد بالذكر على سبيل التفضيل ، وقال الشاعر :
أكر عليهم دعلجا ولبانه * إذا ما اشتكى وقع القناة تحمحما
دعلج : هنا اسم فرس ، ولبانه : صدره ، ولأبي الفتح بن جني كلام في ذلك يكشف من سر الصناعة له .
عَلَى الْعالَمِينَ
: أي عالمي زمانهم ، قاله الحسن ومجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم ، أو على كل العالمين ، بما جعل فيهم من الأنبياء ، وجعلهم ملوكا وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين ، وذلك خاصة لهم دون غيرهم . فيكون عاما والنعمة مخصوصة . قالوا : ويدفع هذا القول :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
« 1 » ، أو على الجم الغفير من الناس ، يقال : رأيت عالما من الناس ، يراد به الكثرة . وعلى كل قول من هذه الأقوال الثلاثة لا يلزم منه التفضيل على هذه الأمة ، لأن من قال بالعموم خص النعمة ، ولا يلزم التفضيل على كل عالم بشيء خاص التفضيل من جميع الوجوه ، ومن قال بالخصوص فوجه عدم التفضيل مطلقا ظاهر . وقال القشيري : أشهد بني إسرائيل فضل أنفسهم فقال :
وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ
، وأشهد المسلمين فضل نفسه فقال :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
« 2 » ، فشتان بين من مشهوده فضل ربه ، ومن مشهوده فضل نفسه . فالأول يقتضي الثناء ، والثاني يقتضي الإعجاب ، انتهى . وآخره ملخص من كلامه .
وَاتَّقُوا يَوْماً
أمر بالاتقاء ، وكأنهم لما أمروا بذكر النعم وتفضيلهم ناسب أن من أنعم عليه وفضل يكون محصلا للتقوى . فأمروا بالإدامة على التقوى ، أو بتحصيل التقوى ، إن عرض لهم خلل وانتصاب يوما ، أما على الظرف والمتقى محذوف تقديره : اتقوا العذاب يوما ، وأما على المفعول به اتساعا أو على حذف مضاف ، أي عذاب يوم ، أو هول يوم . وقيل معناه : جيئوا متقين ، وكأنه على هذا التقدير لم يلحظ متعلق الاتقاء ، فإذ ذاك ينتصب يوما على الظرف . قال القشيري : العوام خوفهم بعذابه ، فقال :
وَاتَّقُوا يَوْماً
،
وَاتَّقُوا النَّارَ
« 3 » . والخواص خوفهم بصفاته ، فقال :
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
« 4 » ، وما تكون في شأن الآية . وخواص الخواص خوفهم بنفسه ، فقال :
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 110 . ( 2 ) سورة يونس : 10 / 58 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 48 . ( 4 ) سورة التوبة : 9 / 105 .