تحصيل ما فيه نجاته وخلاصه أولا ، ثم يسعى بعد ذلك في خلاص غيره ، ابدأ بنفسك ثم بمن تعول . ومركوز في العقل أن الإنسان إذا لم يحصل لنفسه مصلحة ، فكيف يحصلها لغيره ؟ ألا ترى إلى قول الشاعر :
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه * فليس على شيء سواه بخزان
فإذا صدر من الإنسان تحصيل المصلحة لغيره ، ومنع ذلك لنفسه ، كان ذلك خارجا عن أفعال العقلاء ، خصوصا في الأمور التي يرجى بسلوكها النجاة من عذاب اللّه ، والفوز بالنعيم السرمدي . وقد فسروا قوله :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
بأقوال : أفلا تعقلون : أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية بكم ، أو أفلا تفهمون قبح ما تأتون من معصية ربكم في اتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والإيمان به ، أو أفلا تنتهون ، لأن العقل ينهى عن القبيح ، أو أفلا ترجعون ، لأن العقل يراد إلى الأحسن ، أو أفلا تعقلون أنه حق فتتبعونه ، أو إن وبال ذلك عليكم راجع ، أو أفلا تمتنعون من المعاصي ، أو أفلا تعقلون ، إذ ليس في قضية العقل أن تأمر بالمعروف ولا تأتيه ، أو أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه ، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقل ، لأن العقول تأباه وتدفعه . وشبيه بهذه الآية
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
« 1 » الآية . والمقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : الإرشاد إلى المنفعة والتحذير عن المفسدة ، وذلك معلوم بشواهد العقل ، فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل ، ويصير ذلك الوعظ سببا للرغبة في المعصية ، لأنه يقال :
لولا اطلاع الواعظ على أن لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المعصية ، فتكون النفس نافرة عن قبول وعظ من لم يتعظ ، وأنشدوا :
مواعظ الواعظ لن تقبلا * حتى يعيها قبله أولا
و
قال عليّ كرم اللّه وجهه : قصم ظهري رجلان : عالم متهتك ، وجاهل متنسك .
ولا دليل في الآية لمن استدل بها على أنه ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ولا في قوله تعالى :
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
، ولا للمعتزلة في أن فعل العبد غير مخلوق للّه تعالى ، قالوا : التوبيخ لا يحسن إلا إذا كانوا فاعلي أفعالهم ، وهذه مسألة مشكلة يبحث فيها في علم الكلام . وهذا الإنكار والتوبيخ والتقريع ، وإن كان خطابا لبني إسرائيل ، فهو عام من حيث المعنى . وعن محمد بن واسع : بلغني أن ناسا من أهل الجنة أطلعوا على
هامش
( 1 ) سورة الصف : 61 / 2 .