تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
الترك ، فكأنه لا يجري لهم على بال ، وعلق النساء بالأنفس توكيدا للمبالغة في الغفلة المفرطة .
وَتَنْسَوْنَ
: معطوف على تأمرون ، والمنعي عليهم جمعهم بين هاتين الحالتين من أمر الناس بالبر الذي في فعله النجاة الأبدية ، وترك فعله حتى صار نسيا منسيا بالنسبة إليهم .
أَنْفُسَكُمْ
، والأنفس هنا : ذواتهم ، وقيل : جماعتهم وأهل ملتهم ، ثم قيد وقوع ذلك منهم بقوله :
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ
: أي أنكم مباشرو الكتاب وقارءوه ، وعالمون بما انطوى عليه ، فكيف امتثلتموه بالنسبة إلى غيركم ؟ وخالفتموه أنفسكم ؟ كقوله تعالى :
وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
« 1 » . والجملة حالية ولا يخفى ما في تصديرها بقوله :
وَأَنْتُمْ
، من التبكيت لهم والتقريع والتوبيخ لأجل المخاطبة بخلافها لو كانت اسما مفردا . والكتاب هنا : التوراة والإنجيل ، وفيهما النهي عن هذا الوصف الذميم ، وهذا قول الجمهور . وقيل : الكتاب هنا القرآن ، قالوا : ويكون قد انصرف من خطاب أهل الكتاب إلى خطاب المؤمنين ، ويكون ذلك من تلوين الخطاب ، مثل قوله تعالى :
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ
« 2 » ، وفي هذا القول بعد ، إذ الظاهر أن هذا كله خطاب مع أهل الكتاب .
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
: مذهب سيبويه والنحويين : أن أصل الكلام كان تقديم حرف العطف على الهمزة في مثل هذا ومثل
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا *
أثم إذا ما وقع ، لكن لما كانت الهمزة لها صدر الكلام ، قدمت على حرف العطف ، وذلك بخلاف هل . وزعم الزمخشري أن الواو والفاء وثم بعد الهمزة واقعة موقعها ، ولا تقديم ولا تأخير ، ويجعل بين الهمزة وحرف العطف جملة مقدرة يصح العطف عليها ، وكأنه رأى أن الحذف أولى من التقديم والتأخير . وقد رجع عن هذا القول في بعض تصانيفه إلى قول الجماعة ، وقد تكلمنا على هذه المسألة في شرحنا لكتاب التسهيل . فعلى قول الجماعة يكون التقدير : فألا تعقلون ، وعلى قول الزمخشري يكون التقدير : أتعقلون فلا تعقلون ، أمكثوا فلم يسيروا في الأرض ، أو ما كان شبه هذا الفعل مما يصح أن يعطف عليه الجملة التي بعد حرف العطف ، ونبههم بقوله :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
، على أن فيهم إدراكا شريفا يمنعهم من قبيح ما ارتكبوه من أمر غيرهم بالخير ونسيان أنفسهم عنه ، وإن هذه حالة من سلب العقل ، إذ العاقل ساع في
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 42 . ( 2 ) سورة يوسف : 12 / 29 .