تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
بفضل اللّه من وقع منه الإيمان وتحقق به وبالأعمال الصالحة . والصالحات : جمع صالحة ، وهي صفة جرت مجرى الأسماء في إيلائها العوامل ، قال الحطيئة :
كيف الهجاء وما ينفك صالحة * من آل لام بظهر الغيب تأتيني
فعلى هذا انتصابها على أنها مفعول بها ، والألف واللام في الصالحات للجنس لا للعموم ، لأنه لا يكاد يمكن أن يعمل المؤمن جميع الصالحات ، لكن يعمل جملة من الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف . والفرق بين لام الجنس إذا دخلت على المفرد ، وبينها إذا دخلت على الجمع ، أنها في المفرد يحتمل أن يراد بها واحد من الجنس ، وفي الجمع لا يحتمله . قال عثمان بن عفان : الصالح ما أخلص للّه تعالى ، وقال معاذ بن جبل : ما احتوى على أربعة : العلم والنية والصبر والإخلاص ، وقال سهل بن عبد اللّه : ما وافق الكتاب والسنة ، وقال علي بن أبي طالب : الصلوات في أوقاتها وتعديل أركانها وهيآتها ، وقيل : الأمانة ، وقيل : التوبة والاختيار ، قول الجمهور : وهو كل عمل صالح أريد به اللّه . قال ابن عطية : وفي قوله تعالى :
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
ردّ على من يقول : إن لفظة الإيمان بمجردها تقتضي الطاعات ، لأنه لو كان ذلك ما أعادها ، انتهى كلامه ، وفي ذلك أيضا دليل على أن الذين أمر اللّه بأن يبشروا هم من جمعوا بين الإيمان والأعمال الصالحات ، وأن من اقتصر على الإيمان فقط دون الأعمال الصالحات لا يكون مبشرا . من هذه الآية : وبشر يتعدى لمفعولين : أحدهما بنفسه ، والآخر بإسقاط حرف الجر . فقوله :
أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ
هو في موضع هذا المفعول ، وجاز حذف حرف الجر مع أن قياسا مطردا ، واختلفوا بعد حذف الحرف ، هل موضع أن ومعموليها جر أم نصب ؟ فمذهب الخليل والكسائي : أن موضعه جر ، ومذهب سيبويه والفراء : أن موضعه نصب ، والاستدلال في كتب النحو . وجنات : جمع جنة ، جمع قلة ، فروي عن ابن عباس أنها سبع جنات . وقال قوم : هي ثمان جنات . وزعم بعض المفسرين أن في تضاعيف الكتاب والسنة ما يدل على أنها أكثر من العدد الذي أشار إليه ابن عباس وغيره ، قال : فإنه قال :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ
« 1 » ،
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
« 2 » ،
هامش
( 1 ) سورة القمر : 54 / 54 . ( 2 ) سورة الرحمن : 55 / 46 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 181 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل