تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
أن يكون وبشر في موضع الحال ، فالأصح أن تكون جملة معطوفة على ما قبلها ، وإن لم تتفق معاني الجمل ، كما ذهب إليه سيبويه وهو الصحيح ، وقد استدل لذلك بقول الشاعر :
تناغي غزالا عند باب ابن عامر * وكحل مآقيك الحسان بإثمد
وبقول امرئ القيس :
وإن شفائي عبرة إن سفحتها * وهل عند رسم دارس من معوّل
وأجاز سيبويه : جاءني زيد ، ومن أخوك العاقلان ، على أن يكون العاقلان خبر ابتداء مضر . وقد تقدم لنا أن الزمخشري يخص البشارة بالخبر الذي يظهر سرور المخبر به . وقال ابن عطية : الأغلب استعماله في الخير ، وقد يستعمل في الشر مقيدا به منصوصا على الشر للمبشر به ، كما قال تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ *
« 1 » . ومتى أطلق لفظ البشارة فإنما يحمل على الخير ، انتهى كلامه . وتقدم لنا ما يخالف قوليهما من قول سيبويه وغيره ، وأن البشارة أول خبر يرد على الإنسان من خير كان أو شر ، قالوا : وسمي بذلك لتأثيره في البشرة ، فإن كان خيرا أثر المسرة والانبساط ، وإن كان شرا أثر القبض والانكماش . قال تعالى :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ
« 2 » ، وقال تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ *
، وجعل الزمخشري هذا العكس في الكلام الذي يقصد به استهزاء الزائد في غيظه المستهزأ به وتألمه . وقيل : معناه ضع هذا موضع البشارة منهم ، قالوا : والصحيح أن كل خبر غير البشرة خيرا كان أو شرا بشارة ، قال الشاعر :
يبشرني الغراب ببين أهل * فقلت له ثكلتك من بشير
وقال آخر :
وبشرتني يا سعد أن أحبتي * جفوني وأن الود موعده الحشر
والتضعيف في بشر من التضعيف الدال على التكثير فيما قال بعضهم ، ولا يتأتى التكثير في بشر إلا بالنسبة إلى المفاعيل ، لأن البشارة أول خبر يسر أو يحزن على المختار ، ولا يتأتى التكثير فيه بالنسبة إلى المفعول الواحد ، فبالنسبة إليه يكون فعل فيه مغنيا عن فعل ، لأن الذي ينطق به مشددا غير العرب الذين ينطقون به مخففا ، كما بينا قبل . وكون مفعول بشر موصولا بجملة فعلية ماضية ولم يكن اسم فاعل ، دلالة على أن مستحق التبشير
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 21 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 21 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 180 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل