تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
أعمى إذا ما جارتي برزت * حتى يواري جارتي الخدر
وأصم عما كان بينهما * أذني وما في سمعها وقر
وهذا من التشبيه البليغ عند المحققين ، وليس من باب الاستعارة ، لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون . والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له ويجعل الكلام خلوا عنه ، صالحا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام ، كقول زهير :
لدي أسد شاكي السلاح مقذف * له لبد أظفاره لم تقلم
وحذف المبتدأ هناك لذكره ، فلا يقال : إنه من باب الاستعارة ، إذ هو كقول زهير :
أسد علي وفي الحروب نعامة * فتخاء تنفر من صفير الصافر
والإخبار عنهم بالصمم والبكم والعمى هو كما ذكرناه من باب المجاز ، وذلك لعدم قبولهم الحق . وقيل : وصفهم اللّه بذلك لأنهم كانوا يتعاطون التصامم والتباكم والتعامي من غير أن يكونوا متصفين بشيء من ذلك ، فنبه على سوء اعتمادهم وفساد اعتقادهم . والعرب إذا سمعت ما لا تحب ، أو رأت ما لا يعجب ، طرحوا ذلك كأنهم ما سمعوه ولا رأوه . قال تعالى :
كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها ، كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
« 1 » ، وقالوا :
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ
« 2 » الآية . قيل : ويجوز أن يكون أريد بذلك المبالغة في ذمهم ، وأنهم من الجهل والبلادة أسوأ حالا من البهائم وأشبه حالا من الجمادات التي لا تسمع ولا تتكلم ولا تبصر . فمن عدم هذه المدارك الثلاثة كان من الذم في الرتبة القصوى ، ولذلك لما أراد إبراهيم ، على نبينا وعليه السلام ، المبالغة في ذم آلهة أبيه قال :
يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
« 3 » ؟ وهذه الجملة خبرية ولا ضرورة تدعو إلى اعتقاد أنه خبر أريد به الدعاء ، وإن كان قد قاله بعض المفسرين . قال : دعاء اللّه عليهم بالصمم والبكم والعمى جزاء لهم على تعاطيهم ذلك ، فحقق اللّه فيهم ما يتعاطونه من ذلك وكأنه يشير إلى ما يقع في الآخرة من قوله :
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا
« 4 » . وقرأ عبد اللّه بن مسعود ، وحفصة أم المؤمنين : صما بكما عميا ، بالنصب ، وذكروا في نصبه وجوها : أحدها : أن يكون مفعولا . ثانيا لترك ، ويكون في ظلمات متعلقا بتركهم ، أو في موضع
هامش
( 1 ) سورة لقمان : 31 / 7 . ( 2 ) سورة فصلت : 41 / 5 . ( 3 ) سورة مريم : 19 / 42 . ( 4 ) سورة الإسراء : 17 / 97 .