تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
الحال ، ولا يبصرون . حال . الثاني : أن يكون منصوبا على الحال من المفعول في تركهم ، على أن تكون لا تتعدى إلى مفعولين ، أو تكون تعدت إليهما وقد أخذتهما . الثالث : أن يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره أعني . الرابع : أن يكون منصوبا على الحال من الضمير في يبصرون ، وفي ذلك نظر . الخامس : أن يكون منصوبا على الذم ، صما بكما ، فيكون كقول النابغة :
أقارع عوف لا أحاول غيرها * وجوه قرود تبتغي من تخادع
وفي الوجوه الأربعة السابقة لا يتعين أن تكون الأوصاف الثلاثة من أوصاف المنافقين ، إذ هي متعلقة في العمل بما قبلها ، وما قبلها الظاهر أنه من أوصاف المستوقدين ، إلا إن جعل الكلام في حال المستوقد قد تم عند قوله :
فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ
، وكان الضمير في نورهم يعود على المنافقين ، فإذ ذاك تكون الأوصاف الثلاثة لهم . وأما في الوجه الخامس فيظهر أنها من أوصاف المنافقين ، لأنها حالة الرفع من أوصافهم . ألا ترى أن التقدير هم صم ، أي المنافقون ؟ فكذلك في النصب . ونص بعض المفسرين على ضعف النصب على الذم ، ولم يبين جهة الضعف ، ووجهه : أن النصب على الذم إنما يكون حيث يذكر الاسم السابق فتعدل عن المطابقة في الإعراب إلى القطع ، وهاهنا لم يتقدم اسم سابق تكون هذه الأوصاف موافقة له في الإعراب فتقطع ، فمن أجل هذا ضعف النصب على الذم . فهم لا يرجعون : جملة خبرية معطوفة على جملة خبرية ، وهي من حيث المعنى مترتبة على الجملة السابقة ومتعقبتها ، لأن من كانت فيه هذه الأوصاف الثلاثة ، التي هي كناية عن عدم قبول الحق ، جدير أن لا يرجع إلى إيمان . فإن كانت الآية في معنيين ، فذلك واضح ، لأن من أخبر اللّه عنه أنه لا يرجع إلى الإيمان لا يرجع إليه أبدا ، وإن كانت في غير معنيين فذلك مقيد بالديمومة على الحالة التي وصفهم اللّه بها . قال قتادة ، ومقاتل : لا يرجعون عن ضلالهم ، وقال السدي : لا يرجعون إلى الإسلام ، وقيل : لا يرجعون عن الصمم والبكم والعمى ، وقيل : لا يرجعون إلى ثواب اللّه ، وقيل : عن التمسك بالنفاق ، وقيل : إلى الهدى بعد أن باعوه ، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها ، وأسند عدم الرجوع إليهم لأنه لما جعل تعالى لهم عقولا للهداية ، وبعث إليهم رسلا بالبراهين القاطعة ، وعدلوا عن ذلك إلى اتباع أهوائهم ، والجري على مألوف آبائهم ، كان عدم الرجوع من قبل أنفسهم . وقد قدمنا أن فعل العبد ينسب إلى اللّه اختراعا وإلى العبد لملابسته له ، ولذلك قال في هذه الآية :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
، فأضاف هذه