تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
إلا إن كانت الجملة فعلية تبدل من جملة فعلية ، فقد ذكروا جواز . ذلك . أما أن تبدل جملة فعلية من جملة اسمية فلا أعلم أحدا أجاز ذلك ، والبدل على نية تكرار العامل . والجملة الأولى لا موضع لها من الإعراب لأنها لم تقع موقع المفرد ، فلا يمكن أن تكون الثانية على نية تكرار العامل ، إذ لا عامل في الأولى فتكرر في الثانية فبطلت جهة البدء فيها ، ومن جعل الجواب محذوفا جعل الضمير في بنورهم عائدا على المنافقين . والباء في بنورهم للتعدية ، وهي إحدى المعاني الأربعة عشر التي تقدم أن الباء تجيء لها ، وهي عند جمهور النحويين ترادف الهمزة . فإذا قلت : خرجت بزيد ؛ فمعناه أخرجت زيدا ، ولا يلزم أن تكون أنت خرجت ، وذهب أبو العباس إلى أنك إذا قلت : قمت بزيد ، دل على أنك قمت وأقمته ، وإذا قلت : أقمت زيدا ، لم يلزم أنك قمت ، ففرق بين الباء والهمزة في التعدية . وإلى نحو من مذهب أبي العباس ذهب السهيلي ، قال : تدخل الباء ، يعني المعدية ، حيث تكون من الفاعل بعض مشاركة للمفعول في ذلك الفعل نحو : أقعدته ، وقعدت به ، وأدخلته الدار ، ودخلت به ، ولا يصح هذا في مثل : أمرضته ، وأسقمته . فلا بد إذن من مشاركة ، ولو باليد ، إذا قلت : قعدت به ، ودخلت به . ورد على أبي العباس بهذه الآية ونحوها . ألا ترى أن المعنى أذهب اللّه نورهم ؟ ألا ترى أن اللّه لا يوصف بالذهاب مع النور ؟ قال بعض أصحابنا ، ولا يلزم ذلك أبا العباس : إذ يجوز أن يكون اللّه وصف نفسه بالذهاب على معنى يليق به ، كما وصف نفسه تعالى بالمجيء في قوله :
وَجاءَ رَبُّكَ
« 1 » ، والذي يفسد مذهب أبي العباس من التفرقة بين الباء والهمزة قول الشاعر :
ديار التي كانت ونحن على منى * تحل بنا لولا نجاء الركائب
أي تحلنا ألا ترى أن المعنى تصيرنا حلالا غير محرمين ، وليست تدخل معهم في ذلك لأنها لم تكن حراما ، فتصير حلالا بعد ذلك ؟ ولكون الباء بمعنى الهمزة لا يجمع بينهما ، فلا يقال : أذهبت بزيد ، ولقوله تعالى :
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
« 2 » ، في قراءة من جعله رباعيا تخريج يذكر في مكانه ، إن شاء اللّه تعالى . ولباء التعدية أحكام غير هذا ذكرت في النحو . وقرأ اليماني : أذهب اللّه نورهم ، وهذا يدل على مرادفة الباء للهمزة ، ونسبة الإذهاب إلى اللّه تعالى حقيقة ، إذ هو فاعل الأشياء كلها . وفي معنى :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
ثلاثة أقوال : قال ابن عباس : هو مثل ضرب
هامش
( 1 ) سورة الفجر : 89 / 22 . ( 2 ) سورة المؤمنون : 23 / 20 .