تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠

[ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 15 إلى 16 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 15 ) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( 16 ) الإلهية ويتبرءون منها
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ
بإشراككم لهم ، وعبادتكم إياهم ، ويقولون :
ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ
« 1 »
وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
ولا ينبّئك أيها المفتون بأسباب الغرور كما ينبئك اللّه الخبير بخبايا الأمور ، وتحقيقه ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به ، يريد أنّ الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به ، والمعنى أنّ هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحقّ لأني خبير بما أخبرت به . 15 -
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ
قال ذو النون : الخلق محتاجون إليه في كلّ نفس وخطرة ولحظة وكيف لا ووجودهم به وبقاؤهم به
وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ
عن الأشياء أجمع
الْحَمِيدُ
المحمود بكلّ لسان ، ولم يسمّهم بالفقراء للتحقير بل للتعريض عن الاستغناء ولهذا وصف نفسه بالغني الذي هو مطعم الأغنياء ، وذكر الحميد ليدلّ به على أنه الغني النافع بغناه خلقه ، الجواد المنعم عليهم ، إذ ليس كلّ غنيّ نافعا بغناه إلا إذا كان الغني جوادا منعّما ، فإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم . قال سهل : لما خلق اللّه الخلق حكم لنفسه بالغنى ولهم بالفقر فمن ادّعى الغنى حجب عن اللّه ، ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه . فينبغي للعبد أن يكون مفتقرا بالسرّ إليه ومنقطعا عن الغير إليه حتى تكون عبوديته محضة ، فالعبودية هي الذّلّ والخضوع وعلامته أن لا يسأل من أحد . وقال الواسطي : من استغنى باللّه لا يفتقر ، ومن تعزز باللّه لا يذل . وقال الحسين « 2 » : على مقدار افتقار العبد إلى اللّه يكون غنيا باللّه ، وكلما ازداد افتقارا ازداد غنى . وقال يحيى : الفقر خير للعبد من الغنى لأنّ المذلة في الفقر والكبر في الغنى ، والرجوع إلى اللّه بالتواضع والذلّة خير من الرجوع إليه بتكثير الأعمال . وقيل صفة الأولياء ثلاثة : الثقة باللّه في كلّ شيء ، والفقر إليه في كلّ شيء والرجوع إليه من كلّ شيء ، وقال الشبلي : الفقر يجرّ البلاء وبلاؤه كلّه عز . 16 -
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
كلّكم إلى العدم ، فإن غناه بذاته لا بكم في القدم
وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
وهو بدون حمدكم حميد .
هامش
( 1 ) يونس ، 10 / 28 . ( 2 ) الحسين : لم أصل إلى معرفته وإن كان الراجح أنه من الزهاد .