تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي ) — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧

[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 10 ]

مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ ( 10 ) 10 -
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً
أي العزّة كلّها مختصة باللّه ، عزّة الدنيا وعزّة الآخرة ، وكان الكافرون يتعززون بالأصنام كما قال :
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا
« 1 » والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين ، كما قال :
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
« 2 » فبيّن أنّ لا عزة إلّا للّه « 3 » ، والمعنى فليطلبها عند اللّه ، فوضع قوله للّه العزة جميعا موضعه استغناء به عنه « 4 » لدلالته عليه ، لأن الشيء لا يطلب إلّا عند صاحبه ومالكه ، ونظيره قولك : من أراد النصيحة فهي عند الأبرار ، تريد فليطلبها عندهم إلّا أنك أقمت ما يدلّ عليه مقامه ، وفي الحديث : ( إن ربّكم يقول كلّ يوم أنا العزيز فمن أراد عزّ الدارين فليطع العزيز ) « 5 » ثم عرّف أنّ ما يطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
ومعنى قوله إليه إلى محلّ القبول والرضا ، وكلّ ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود ، وإلى حيث لا ينفذ فيه إلّا حكمه ، والكلم الطيّب كلمات التوحيد أي لا إله إلا اللّه ، وكان القياس الطيبة ، ولكن كلّ جمع ليس بينه بين واحده إلا التاء يذكّر ويؤنّث ، والعمل الصالح العبادة الخالصة ، يعني والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب ، فالرافع الكلم والمرفوع العمل لأنه لا يقبل عمل إلّا من موحد ، وقيل الرافع اللّه والمرفوع العمل أي العمل الصالح يرفعه اللّه ، وفيه إشارة إلى أنّ العمل يتوقف على الرفع ، والكلم الطيب يصعد بنفسه ، وقيل العمل الصالح يرفع العامل ويشرّفه ، أي من أراد العز « 6 » فليعمل عملا صالحا فإنه هو الذي يرفع العبد
وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ
هي صفة لمصدر محذوف ، أي المكرات السيئات لأنّ مكر فعل غير متعد ، لا يقال « 7 » مكر فلان عمله ، والمراد مكر قريش به عليه السّلام حين اجتمعوا في دار الندوة ، كما قال اللّه تعالى :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ
« 8 » الآية
لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
في الآخرة
وَمَكْرُ أُولئِكَ
مبتدأ
هُوَ
فصل
يَبُورُ
خبر ، أي
هامش
( 1 ) مريم ، 19 / 81 . ( 2 ) النساء ، 4 / 139 . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) باللّه . ( 4 ) في ( ز ) عنه به . ( 5 ) لم أجده . ( 6 ) في ( ظ ) و ( ز ) العزة . ( 7 ) في ( أ ) لا يقول . ( 8 ) الأنفال ، 8 / 30 .