[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 90 إلى 94 ]
كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ( 90 ) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 ) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 )
90 -
كَما أَنْزَلْنا
متعلق بقوله ولقد آتيناك أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا
عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
وهم أهل الكتاب .
91 -
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
أجزاء ، جمع عضة وأصلها عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء حيث قالوا بعنادهم بعضه حقّ موافق للتوراة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما ، فاقتسموه إلى حقّ وباطل وعضوه ، وقيل كانوا يستهزءون به فيقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول الآخر سورة آل عمران لي ، أو أريد بالقرآن ما يقرءونه من كتبهم وقد اقتسموه ، فاليهود أقرت ببعض التوراة وكذبت ببعض ، والنصارى أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض ، ويجوز أن يكون الذين جعلوا القرآن عضين منصوبا بالنذير ، أي أنذر المعضّين الذين يجزّءون القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين ، وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم فقعدوا في كلّ مدخل متفرقين لينفّروا النّاس عن الإيمان برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يقول بعضهم لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر ، ويقول الآخر كذاب ، والآخر شاعر فأهلكهم اللّه . ولا تمدن عينيك على الوجه الأول اعتراض بينهما ، لأنه لما كان ذلك تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم اعترض بما هو مدد « 1 » لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ، ومن الأمر بأن يقبل بكليّته على المؤمنين .
92 - 93 -
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
أقسم بذاته وربوبيته ليسألنّ يوم القيامة واحدا واحدا من هؤلاء المقتسمين عما قالوه في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو في القرآن ، أو في كتب اللّه .
94 -
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
فاجهر به وأظهره ، يقال صدع بالحجّة إذا تكلّم بها جهارا من الصّديع وهو الفجر ، أو فاصدع فافرق بين الحقّ والباطل من الصدع في الزجاجة وهو الإبانة « 2 » ، بما تؤمر به من الشرائع فحذف الجار كقوله « 3 » : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
هو أمر استهانة بهم .
هامش
( 1 ) في ( ز ) مدار .
( 2 ) زاد في ( ز ) بما تؤمر ، والمعنى .
( 3 ) القائل مختلف فيه ، قيل خفاف بن ندبة ( ت نحو 20 ه ) وقيل عباس بن مرداس ( ت نحو 18 ه ) ، والقول صدر بيت عجزه : فقد تركتك ذا مال وذا نشب .