قبلنا ، وهو أمر لا يمكن الاحتراز منه ، فليس في وقوعه ممن يقع منه نقص ؛ وإنما الذي يمكن دفعه هو الإصرار بالتمادي على حديث النفس وعقد العزم عليه .
الثاني - أنه يحتمل أن يكون داود عليه السلام نظر من حاله وفي عبادته وخشوعه وإنابته وإخباته ، فظنّ أن ذلك يعطيه عادة التجافي عن أسباب الذنوب ، فضلا عن التوغل فيها ، فوثق بالعبادة ، فأراد اللّه تعالى أن يريه أن ذلك حكمه في العبادة واطرادها .
الثالث - أنّ هذا النقل لم يثبت ؛ فلا يعوّل عليه . وأما قولهم : إن الطائر درج عنده فهمّ بأخذه ، فدرج فاتبعه ، فهذا لا يناقض العبادة ، لأنّ هذا مباح فعله لا سيما وهو حلال ، وطلب الحلال فريضة ، وإنما اتبع الطائر لذاته لا لجماله ، فإنه لا منفعة له فيه ، وإنما ذكرهم لحسن الطائر حذق في الجهالة ، أما أنه قد روى أنه كان طائرا من ذهب فاتّبعه ليأخذه لأنه من فضل اللّه سبحانه ، كما
روى في الصحيح أن أيوب كان يغتسل عريانا ، فخرّ عليه رجل من جراد من ذهب ، فجعل يحثى منه ، ويجعل في ثوبه ، فقال له اللّه : يا أيوب ، ألم أكن أغنيتك عما ترى ! قال : بلى يا رب ، ولكن لا غنى لي عن بركتك .
وأما قولهم « 1 » : إنه وقع بصره على امرأة تغتسل عريانة فلما رأته أرسلت شعرها فسترت جسدها ، فهذا لا حرج عليه فيه بإجماع الأمة ، لأن النظرة الأولى لكشف « 2 » المنظور إليه ، ولا يأثم الناظر بها .
وأما قولهم : أنها لما أعجبته أمر بتقديم زوجها للقتل في سبيل اللّه ، فهذا باطل قطعا ، لأنّ داود عليه السلام لم يكن ليريق دمه في غرض نفسه ، وإنما كان من الأمر أنّ داود قال لبعض أصحابه : أنزل لي عن أهلك ، وعزم عليه في ذلك ، كما يطلب الرجل من الرجل الحاجة برغبة صادقة كانت في الأهل أو المال ،
وقد قال سعيد « 3 » بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف حين آخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بينهما : ولى زوجتان ، أنزل لك عن إحداهما ، فقال له : بارك اللّه لك في أهلك ومالك .
وما يجوز فعله ابتداء يجوز طلبه ، وليس في القرآن أنّ ذلك كان ، ولا أنه تزوّجها بعد زوال عصمة الرجل عنها ، ولا ولادتها لسليمان ، فعن من يروى هذا ويسند « 4 » ؟ وعلى من في نقله يعتمد ، وليس يؤثره عن الثقات الأثبات أحد ؟ أما إنّ في
هامش
( 1 ) في ش : قوله .
( 2 ) في ش : تكشف .
( 3 ) في ش : سعد .
( 4 ) في م : ويسنه .