الثاني - أن المراد به الثياب الملبوسة ، فتكون حقيقة ، ويكون [ التأويل ] « 1 » الأول مجازا . والذي يقول : إنها الثياب المجازية أكثر . روى ابن وهب عن مالك أنه قال :
ما يعجبني أن أقرأ القرآن إلّا في الصلاة والمساجد ، لا في الطريق ، قال اللّه تعالى :
وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ
، يريد مالك أنه كنى بالثياب عن الدّين .
وقد روى عبد اللّه بن نافع ، عن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ، عن مالك بن أنس ، في قوله تعالى :
وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ
، أي لا تلبسها على غدرة . وقد روى ذلك مسندا إلى ابن عباس ، وكثيرا ما تستعمله العرب في ذلك كله ، قال أبو كبشة :
ثياب بنى عوف طهارى نقيّة * وأوجههم عند المشاعر غرّان « 2 »
يعنى بطهارة ثيابهم سلامتهم من الدناءات ، ويعنى بقرّة وجوههم تنزيههم عن المحرمات ، أو جمالهم في الخلقة ، أو كليهما . وقد قال غيلان بن سلمة الثقفي :
فإني بحمد اللّه لا ثوب غادر « 3 » * لبست ولا من غدرة أتقنّع
المسألة الثانية - ليس بممتنع أن تحمل الآية على عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز ، على ما بيناه في أصول الفقه . وإذا حملناها على الثياب المعلومة [ الظاهرة ] « 4 » فهي تتناول معنيين :
أحدهما - تقصير الأذيال ، فإنها إذا أرسلت تدنّست ، ولهذا قال عمر بن الخطاب لغلام من الأنصار - وقد رأى ذيله مسترخيا : يا غلام ، ارفع إزارك ، فإنه أتقى وأنقى وأبقى .
وقد قال النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم في الصحيح : « إزرة المؤمن « 5 » إلى أنصاف ساقيه ، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين ، وما كان أسفل من ذلك ففي النار »
، فقد جعل النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم الغاية في لباس الإزار الكعب ، وتوعّد ما تحته بالنار ، فما بال رجال يرسلون أذيالهم ، ويطيلون ثيابهم ، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم . وهذه حالة الكبر وقائدة العجب ، وأشد ما في الأمر أنهم يعصون ويحتجّون « 6 » ، ويلحقون أنفسهم بمن لم يجعل اللّه معه غيره ، ولا ألحق
هامش
( 1 ) ليس في ش .
( 2 ) في القرطبي : بيض المسافر غران .
( 3 ) في القرطبي : لا ثوب فاجر .
( 4 ) ليس في م ، ش .
( 5 ) الإزرة : الحالة ، وهيئة الائتزار .
( 6 ) في ا : وينجسون .