أنّ أول من تصدّق في ذلك علي بن أبي طالب ، تصدّق بدينار ، وناجى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وروى [ أنه تصدّق ] « 1 » بخاتم ، وهذا كلّه لا يصحّ . وقد سرد المسألة - كما يجب - أسلم في رواية زيد ابنه عنه .
المسألة الثانية - قال : وكان النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم لا يمنع أحدا مناجاته . يريد لا يسأله حاجة إلّا ناجاه بها من شريف أو دنيء ؛ فكان أحدهم يأتيه فيناجيه ، كانت له حاجة أو لم تكن ؛ وكانت الأرض كلها حربا على المدينة ، وكان الشيطان يأتي أصحاب النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم وهم حوله . فيقول له : أتدرون لم ناجى فلان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ إنما ناجاه ؛ أنّ جموعا [ كثيرة ] من بنى فلان وفلان قد خرجوا ليقاتلوكم . قال : فيحزن ذلك المؤمنين ويشقّ عليهم . وقال المنافقون : إنما محمد أذن سماعة يسمع من كلّ أحد يناجيه ؛ فأنزل اللّه عزّ وجلّ « 2 » :
وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
. وقال اللّه في ذلك « 3 » :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
، فلم ينتهوا عن المناجاة ؛ فأنزل اللّه عزّ وجل :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ، ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ
؛ لينتهى أهل الباطل عن مناجاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .
وعرف اللّه أنّ أهل الباطل لا يقدّمون بين يدي نجواهم صدقة ؛ فانتهى أهل الباطل عن النجوى ، وشقّ ذلك على أصحاب الحوائج والمؤمنين ، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقالوا : لا نطيقه ، فخفّف اللّه ذلك عنهم ونسختها « 4 » آية « 5 » :
فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
.
وهذا الخبر من زيد يدلّ على أن الأحكام لا تترتب بحسب المصالح ، فإن اللّه تعالى قال :
ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ
، [ ثم نسخه مع كونه خيرا وأطهر ] « 6 » . وهذا دليل على المعتزلة عظيم في التزام المصالح ، لكن راوي الحديث عن زيد ابنه عبد الرحمن - وقد ضعّفه العلماء .
والأمر في قوله :
ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ
نصّ متواتر في الرد على المعتزلة . واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) من ش .
( 2 ) سورة التوبة ، آية 6 .
( 3 ) الآية التاسعة والعاشرة من السورة نفسها .
( 4 ) في ش : ونسخها .
( 5 ) من آية 13 في السورة .
( 6 ) ليس في ش .