حسبما تقدم بيانه في الأنفال ، فإذا تمكّن المسلم من عنق الكافر أجهز عليه ، وإذا تمكن من ضرب يده التي يدفع بها عن نفسه ويتناول بها قتال غيره فعل ذلك به ، فإن لم يتمكن إلا ضرب « 1 » فرسه التي يتوصّل بها إلى مراده فيصير حينئذ راجلا مثله أو دونه ، فإن كان فوقه قصد مساواته ، وإن كان مثله قصد حطّه ، والمطلوب نفسه ، والمآل إعلاء كلمة اللّه تعالى ، وذلك لأن اللّه سبحانه لما أمر بالقتال أولا ، وعلم أن ستبلغ إلى الإثخان والغلبة بيّن سبحانه حكم الغلبة بشدّ الوثاق ، فيتخير حينئذ المسلمون بين المنّ والفداء . وبه قال الشافعي .
وقال أبو حنيفة : إنما لهم القتل والاسترقاق ، وهذه الآية عنده منسوخة .
والصحيح إحكامها ، فإن شروط النسخ معدومة فيها من المعارضة ، وتحصيل المتقدم من المتأخر ، وقوله « 2 » :
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
فلا حجة فيه ، لأن التشريد قد يكون بالمنّ والفداء والقتل ، فإنّ طوق المنن يثقل أعناق الرجال ، ويذهب بنفاسة نفوسهم ، والفداء يجحف بأموالهم ، ولم يزل العباس تحت ثقل فداء بدر حتى أدّى عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .
وأما قوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
فقد قال : واحصروهم ، فأمر بالأخذ كما أمر بالقتل .
فإن قيل : أمر بالأخذ للقتل .
قلنا : أو للمنّ والفداء ، وقد عضدت السنة ذلك كلّه ، فروى مسلم أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم أخذ من سلمة بن الأكوع جارية ففدى بها ناسا من المسلمين ، وقد هبط على النبي صلّى اللّه عليه وسلم من أهل مكة قوم ، فأخذهم النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم ومنّ عليهم ، وقد منّ على سبى هوازن ، وقتل النضر بن الحارث صبرا فقالت أخته قتيلة ترثيه « 3 » :
يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة * من صبح خامسة وأنت موفّق
أبلغ بها « 4 » ميتا بأن تحيّة * ما إنّ تزال بها النجائب تخفق
هامش
( 1 ) في ش : فإن لم يتمكن ضرب .
( 2 ) سورة الأنفال ، آية 58 .
( 3 ) سيرة ابن هشام : 2 - 420 .
( 4 ) في ا : به .