تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 1500

مساهمون:

ص١٥٠٠
الآية الثانية - قوله تعالى « 1 » :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
. قال القاضي : هذه الآية لم يذكرها من طالعت كلامه في جميع الأحكام القرآنية ، وذكرها القرطبي في كتب الفقه خاصة منتزعا بها لجواز الوكالة من قوله :
الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
، وهذا أخذ من لفظه ، لا من معناه ، فإن كلّ فاعل غير اللّه إنما يفعل بما خلق اللّه فيه من الفعل ، لا بما جعل إليه ، حسبما بيناه في أصول الدين . ولو اطرد ذلك لقلنا في قوله « 2 » :
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
أنها نيابة عن اللّه تعالى ، ووكالة في تبليغ رسالته ، ولقلنا أيضا في قوله :
وَآتُوا الزَّكاةَ
أنه وكالة في « 3 » أنّ اللّه ضمن الرزق لكلّ دابّة ، وخصّ الأغنياء بالأغذية ، وأوعز إليهم بأنّ رزق الفقراء عندهم ، وأمرهم بتسليمه إليهم ، مقدّرا معلوما في وقت معلوم ، ودبّره بعلمه ، وأنفذه من حكمه ، وقدّره بحكمته ، حسبما بيناه في موضعه . ولا تتعلّق الأحكام بالألفاظ ، إلا أن ترد على موضوعاتها الأصلية في مقاصدها المطلوبة ، فإن ظهرت في غير مقصدها لم تعلّق عليها مقاصدها . ألا ترى أنّ البيع والشراء معلوم اللفظ والمعنى ، وقد قال اللّه تعالى « 4 » :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ . . .
الآية . ولا يقال : هذه الآية دليل على جواز مبايعة السيد لعبده ، لأنّ المقصودين « 5 » مختلفان . وهذا غرض شبّ طوق أصحابنا عنه ، فإذا أرادوا لبسه لم يستطيعوا جوبه ، ولا وجد امرؤ منهم جيبه . وقد تكلمنا على هذه الآية في المشكلين ، وأحسن ما قيدنا فيها عن الإسفراينى ، من طريق الشهيد أبي سعيد المقدسي ، أن اللّه هو الخالق لكلّ شيء ، الفاعل حقيقة لكل فعل ، في أي محل كان ، ومتى ترتّب المحال ، وتناسقت الأفعال فالكل إليه راجعون ،
هامش
( 1 ) آية 11 ، وهي أيضا في السورة قبل الآية التي سبقت . ولكن هكذا بالأصول . ( 2 ) سورة الأعراف ، آية 158 . ( 3 ) في القرطبي : فإن اللّه ضمن . . . ( 4 ) سورة التوبة ، آية 112 . ( 5 ) في القرطبي : المقصدين .