النية ، لاستقامت الأمور ، وصلح الجمهور ؛ وقد شاهدتم منّا إقامة العدل والقضاء - والحمد للّه - بالحق ، والكفّ للناس بالقسط ، وانتشرت الأمنة ، وعظمت « 1 » المنعة ، واتصلت في البيضة الهدنة ، حتى غلب قضاء اللّه بفساد الحسدة ، واستيلاء الظلمة .
الآية الرابعة - قوله تعالى « 2 » :
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
.
فيها مسألتان :
المسألة الأولى - رأيت بعض البصريين « 3 » قد قال : إن النملة كان لها جناحان ، فصارت في جملة الطّير ؛ ولذلك فهم منطقها ؛ لأنه لم يعلم إلّا منطق الطير ؛ وهذا نقصان عظيم . وقد بينّا الحكمة في ذكر الطير ، خصوصا دون سائر البهائم والحشرات ، وما لا يعقل . وقد اتفق الناس على أنه كان يفهم كلام من لا يتكلم ، ويخلق له فيه القول من النبات ؛ فكان كلّ نبات يقول له : أنا شجرة كذا ، أنفع من كذا ، وأضرّ من كذا ، وفائدتى كذا ، فما ظنّك بالحيوان ! المسألة الثانية - قوله :
لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
. فانظر إلى فهمها بأنّ جند سليمان لم يكن فيهم من يؤذى نملة مع القصد إلى ذلك ، والعلم به ، تقية لسليمان ، لأن منهم التقىّ والفاجر ، والمؤمن والكافر ؛ إذ كان فيهم الشياطين .
وقد أخبر اللّه عن حيش محمّد بمثله في قوله « 4 » :
وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ
. وهذا من فضائل محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد بينا ذلك في كتاب المشكلين ، وفي معجزات النبي من كتاب « أنوار الفجر » .
وقد انتهى الجهل بقوم إلى أن يقولوا : إنّ معناه : والنمل لا يشعرون ، فخرج من خطاب المواجهة إلى خطاب الغائب لغير ضرورة ولا فائدة إلا إبطال المعجزة لهذا النبي الكريم ، واللّه ولىّ التقويم . كما انتهى الإفراط بقوم إلى أن يقولون : إنه كان من كلام النملة له أن
هامش
( 1 ) في ا : وعصمت .
( 2 ) آية 18 .
( 3 ) في م : بعض المقصرين .
( 4 ) سورة الفتح ، آية 25 .