تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 1318

مساهمون:

ص١٣١٨
وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر قد غلب عليه مقام الخوف ، فرفع يديه إلى السماء ، وقال : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ، مادّا يديه ، حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فقال له أبو بكر : كفاك يا رسول اللّه مناشدتك ربّك ، فإنه منجز لك ما وعدك ، حسبك يا رسول اللّه ، فقد ألححت على ربك ، مغلبا جانب الرجاء في نفوذ الوعد . قال القاضي : ليس يحتاج في هذه الآية إلى اختلاف القراءة بين « 1 » يأتون ويؤتون ، فإن قوله : يؤتون يعطى الأمرين ، تقول العرب : آتيت من نفسي القبول ، وآتيت منها الإنابة ، تريد أعطيت القياد من نفسي ، يعنى إذا أطاع . وأعطيت العناد من نفسي يعنى إذا عصى ، فمعناه يؤتون ما أتوا من طاعة أو من معصية ، ولكن ظاهر الآية وسياق الكلام يقتضى أنه يؤتى الطاعة ، لأنه وصفهم بالخشية لربهم ، والإيمان بآياته ، وتنزيهه عن الشرك ، وخوفهم عدم القبول منهم عند لقائه لهم ، فلا جرم من كان بهذه الصفة يسارع في الخيرات ، وأما من كان على العصيان متماديا في الخلاف مستمرّا ، فكيف يوصف بأنه يسارع في الخيرات أو بالخشية لربّه ، وغير ذلك من الصفات المتقدمة فيه . أما إن الذي يأتي المعصية على ثلاثة أقسام : أحدها الذي يأتيها ويخاف العذاب ، فهذا هو المذنب . والذي يأتيها آمنا من عذاب اللّه من جهة غلبة الرجاء عليه فهو المغرور ، والمعرور في حزب الشيطان . وإن أتاها شاكّا في العذاب فهو ملحد لا مغفرة له . ولأجل إشكال قوله :
يُؤْتُونَ ما آتَوْا
قال بعضهم : يعنى به إنفاق الزكاة ، لأنه لم يظهر إليه صلاحية لفظ العطاء إلا في المال . وقد بيّنا أن لفظ العطاء ينطلق في كل معنى : مال وغيره ، وفي كل طاعة ومعصية ، واتضحت الآية ، واللّه أعلم . المسألة الرابعة - قوله :
أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
. هذا دليل على أنّ المبادرة إلى الأعمال الصالحة ، من صلاة في أول الوقت ، وغير ذلك من العبادات - هو الأفضل ، ومدح الباري أدلّ دليل على صفة الفضل في الممدوح على غيره ، واللّه أعلم . وقد بيناه في مواضع متقدمة .
هامش
( 1 ) في م : القراءتين .