بالإقلاع ، فلم تمتص الأرض من قطره ، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط ، وذلك قوله تعالى « 1 » :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ، وَغِيضَ الْماءُ
.
وهذا يدل على أن الأرض لم تشرب من ماء السماء قطرة .
نكتة أصولية - قال القاضي أبو بكر : قوله :
وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ
.
فيه ثلاثة أقوال :
أحدها - أنه ذات المطر ، لأنها ترجع في كل عام إلى الحالة التي كانت عليها من إنزال المطر منها .
وظنّ بعض الناس كما بينا - أنها تردّ ما أخذت من الأرض من الماء ، إذ السحاب يستقى من البحر ، وأنشدوا في ذلك قول الهذلي :
شربن بماء البحر ثم ترفّعت
يعنى السحاب ، وهذه دعوى عريضة طويلة ، وهي في قدرة اللّه جائزة ، ولكنه أمر لا يعلم بالنظر ، وإنما طريقه الخبر ، ولم يرد بذلك أثر .
المسألة الثالثة - قوله تعالى :
وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ
، يعنى لقادرون على إذهاب الماء الذي أسكناه في الأرض ، فيهلك الناس بالعطش ، وتهلك مواشيهم ، وهذا كقوله « 2 » :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ
، وقد قال « 3 » :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً
- وهي :
المسألة الرابعة - فهذا عامّ في ماء المطر والماء المختزن في الأرض ، فصارت إحدى الآيتين عامة وهي آية الطهور . والآية الأخرى خاصة - وهي ماء القدر المسكن في الأرض ، ومن هاهنا قال من قال : إن ماء البحر لا يتوضأ به ، لأنه مما لم يخبر اللّه عنه أنه أنزل من السماء .
وقد بينا
أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته
، وهذا نصّ فيه .
المسألة الخامسة -
روى ابن عباس وغيره أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : أنزل اللّه من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار : سيحون ، وهو نهر الهند . وجيحون ، وهو نهر بلخ ، ودجلة ، والفرات ،
هامش
( 1 ) سورة هود ، آية 44 .
( 2 ) سورة الملك ، آية 30 .
( 3 ) سورة الفرقان ، آية 48 .