المسألة الثالثة - في هذه الآية نكتة ، وهي أنّ الوكالة فيها إنما كانت مع التّقيّة وخوف أن يشعر بهم أحد لما كانوا يخافون على أنفسهم منهم ، وجواز توكيل ذي العذر متّفق عليه ، فأما من لا عذر له فأكثر العلماء على جواز توكيله .
وقال أبو حنيفة : لا يجوز . وكان سحنون قد تلقفه عن أسد بن الفرات ، فحكم به أيام قضائه . ولعله كان يفعل ذلك بأهل الظلم والجبروت ، إنصافا منهم ، وإرذالا بهم « 1 » . وهو الحقّ ، فإن الوكالة معونة ، ولا تكون لأهل الباطل .
والدليل على جواز النيابة في ذلك قائم ، لأنه حق من الحقوق التي تجوز النيابة فيها ، فجازت الوكالة عليه ، أصله دفع الدين . ومعوّلهم على أنّ الحقوق تختلف ، والناس في الأخلاق يتفاوتون ، فربما أضرّ الوكيل بالآخر .
قلنا : وربما كان أحدهما ضعيفا فينظر لنفسه فيمن يقاوم خصمه ، وهذا مما لا ينضبط ، فرجعنا إلى الأصل ، وهو جواز النيابة على الإطلاق ، وللوكالة مسائل يأتي في أبوابها ذكر فروعها إن شاء اللّه .
المسألة الرابعة - قوله :
فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً
.
قيل : أراد أكثر . وقيل أراد أطهر ، يعنى أزكى وأحلّ ، ولا ينبغي لأحد أن يستبعد طلبه أكثر ، لأنه ليس من باب النهامة ، وإنما محمله على أنه إن كان مرادا فمعناه يرجع إلى أنّ رزقهم كان من عددهم ، فاحتاجوا إلى وضع في المطعوم ليقوم بهم . والمعنى الآخر من طلب الطهارة بيّن ، ولعله أراد المعنيين جميعا ، واللّه أعلم .
الآية الثالثة - قوله تعالى « 2 » :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً
.
فيها سبع مسائل :
المسألة الأولى - في سبب نزولها :
قال ابن إسحاق وغيره : قال أبو جهل : يا معشر قريش ، واللّه ما أرانا إلّا قد أعذرنا
هامش
( 1 ) في القرطبي : وإذلالا لهم .
( 2 ) آية 24 .