ويرجع الخامس إلى الثالث ، لأنه تفسير له ، وإذا لم يحلّ له أن يقول ذلك فلا يحلّ له أن يتبعه ، ولذلك قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : إن المفتي بالتقليد إذا خالف نصّ الرواية في نصّ النازلة عمّن قلده - أنه مذموم داخل في الآية ، لأنه يقيس ويجتهد في غير محلّ الاجتهاد ، وإنما الاجتهاد في قول اللّه وقول الرسول ، لا في قول بشر بعدهما .
ومن قال من المقلّدين : هذه المسألة تخرج من قول مالك في موضع كذا فهو داخل في الآية .
فإن قيل : فأنت تقولها وكثير من العلماء قبلك .
قلنا : نعم ، نحن نقول ذلك في تفريع مذهب مالك على أحد القولين في التزام المذهب بالتخريج ، لا على أنها فتوى نازلة تعمل عليها المسائل ، حتى إذا جاء سائل عرضت المسألة على الدليل الأصلي ، لا على التخريج المذهبى ، وحينئذ يقال له الجواب كذا فاعمل عليه .
ومنها قول الناس : هل الحوض قبل الميزان والصراط أو الميزان قبلهما أم الحوض ؟
فهذا قفو ما لا سبيل إلى علمه ، لأن هذا أمر لا يدرك بنظر العقل ، ولا بنظر السمع ، وليس فيه خبر صحيح ، فلا سبيل إلى معرفته . ومثله : كيف كفة من خفّت موازينه من المؤمنين ؟ كيف يعطى كتابه ؟
المسألة الرابعة - قوله :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ
.
يسأل كلّ واحد منها عن ذلك كله « 1 » ، فيسأل الفؤاد عما افتكر واعتقد ، والسمع والبصر عما رأى من ذلك أو سمع ، فأما الكافر فينكر ، فتنطق عليه جوارحه ، فإذا شهدت استوجبت الخلود الدائم ، وأما المؤمن العاصي فلم يأت فيه أمر صحيح ، فهو مثال رابع منها ، وقد بينا هذه المسألة في رسالة تقويم الفتوى على أهل الدعوى .
الآية الحادية عشرة - قوله تعالى « 2 » :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا . كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً . ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً
.
هامش
( 1 ) في القرطبي : يسأل كل واحد منهم عما اكتسب .
( 2 ) آية 37 ، 38 ، 39 .