أراد أنّ الكلام المتقدم فيه حسن مأمور به ، وفيه سيّئ منهىّ عنه ، فرجع الوصف بالسوء إلى السيّئ منه .
ومن قرأه بالهمزة المنصوبة والتاء رجع إلى ما نهى عنه منها ، لأنه أكثر من المأمور به .
واختار الطبري الأول .
فإن قيل : فكيف يكون الشيء مكروها ، والكراهية عندكم إرادة عدم الشيء ، فكيف يوجد ما أراد اللّه عدمه ؟
قلنا : قد أجبنا عن ذلك في كتاب شرح المشكلين ، ببسط . بيانه على الإيجاز ، أنّ معنى مكروها منهيّا عنه في أحد الوجهين ، ومرادا مأمورا به ، وعلى هذا جاء قوله تعالى « 1 » :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
، أي يأمر باليسر ، ولا يأمر بالعسر ، ويكون معناه أيضا كلّ ذلك كان سيئة عند ربك مكروها شرعا ، أي لا يريد أن يكون من الشرع ، وإن أراد وجوده ، كقوله « 2 » :
وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ
، معناه دينا لا وجودا ، لأنه وجد بإرادته ومشيئته ، تعالى أن يكون من عبده في ملكه ما لا يريده .
المسألة الخامسة - قوله :
ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ
.
قد قدمنا بيان الحكمة هاهنا ، وفي كتبنا ، وفسرنا وجوهها ومواردها : ولبابها هاهنا أنها العمل بمقتضى العلم . وأعظمها قدرا وأشرفها مأمورا ما بدأ به من قوله :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
. ولا تجعل مع اللّه إلها آخر .
الآية الثانية عشرة - قوله تعالى « 3 » :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
.
فيها مسألتان :
المسألة الأولى - اختلف الناس في معنى هذه الآية على أقوال كثيرة ، أمّهاتها ستة :
الأول - دلالتها على وحدانية اللّه وقدرته وعلمه وإرادته وسائر صفاته العلا وأسمائه الحسنى .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية 185 .
( 2 ) سورة الزمر ، آية 7 .
( 3 ) آية 44 .