تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 1150

مساهمون:

ص١١٥٠
ومن البلاد ما يكون مطرها بالصّبا ، ومنها ما يكون مطرها بالجنوب ، ويزعم أهلها أنّ ذلك إنما يدور على البحر ، فإذا جرّت الريح ذيلها على البحر ألقحت السحاب منه ، وإذا جرّت ذيلها على البيداء جاءت سحابا عقيما ، وهذا فاسد من وجهين : أحدهما - أنا لا نمنع ذلك في قدرة اللّه ، فإن ربّنا قادر على أن ينشئ الماء في السحاب إنشاء ، وهو قادر على أن يسيب له ماء البحر الملح ويصعّده بعد أن كان مستفلا ، ويحلولى بتدبيره ، وقد كان ملحا « 1 » ، وينزله إلينا فراتا عذبا ، ولكن تعيين أحد الوجهين لا يكون بنظر ، لأنه ليس في العقل لذلك أثر ، وإنما طريقه الخبر ، فنحن نقول : هو جائز ، ولو أخبر به الصادق لكان واجبا . الثاني - أنّ الشمال تسمّيها العرب المجرة ، لأنها تمخر السحاب ، ولا تمطر معها ، وقد تأتى بحرية وبرية ، فدلّ هذا على أنّ الأمر موقوف على المشيئة ، وأنه لا يخبر عن الآثار العلوية إلّا السنّة النبوية ، لا العقول الأرسطاطاليسية . فإن قيل : فقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أجمعت عليه الأئمة « 2 » : قال اللّه تعالى : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب ، فأما من قال : مطرنا بفضل اللّه ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب . وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب . قلنا : إنما خرج هذا على قول العرب التي كانت تعتقد أنّ ذلك من تأثير الكواكب لجاهليتها . وأما من اعتقدها وقتا ومحلّا وعلامة ينشئه اللّه فيها ويدبّره عليها فليس من الذي نهى عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في معنى . وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف ، وسيأتي إن شاء اللّه . الآية السابعة - قوله تعالى « 3 » :
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ
. فيها ثلاث مسائل :
هامش
( 1 ) في م : بعد أن كان ملحا . ( 2 ) صحيح مسلم : 84 . ( 3 ) آية 66 .