أخبر اللّه تعالى أنه ينصر رسله والمؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، قال بعض المفسرين : وهذا خاص فيمن أظهره اللّه على أمته كنوح وموسى ومحمد وليس بعام ، لأنا نجد من الأنبياء من قتله قومه كيحيى ولم ينصر عليهم ، وقال السدي : الخبر عام على وجهه ، وذلك أن نصرة الرسل واقعة ولا بد ، إما في حياة الرسول المنصور كنوح وموسى ، وإما فيما يأتي من الزمان بعد موته ، ألا ترى إلى ما صنع اللّه ببني إسرائيل بعد قتلهم يحيى من تسليط بختنصر عليهم حتى انتصر ليحيى ، ونصر المؤمنين داخل في نصر الرسل ، وأيضا فقد جعل اللّه للمؤمنين الفضلاء ودا ووهبهم نصرا إذ ظلموا وحضت الشريعة على نصرهم ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من رد عن أخيه المسلم في عرضه ، كان حقا على اللّه أن يرد عنه نار جهنم » ، وقوله عليه السلام : « من حمى مؤمنا من منافق يغتابه ، بعث اللّه ملكا يحميه يوم القيامة » .
وقوله تعالى :
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
يريد يوم القيامة .
وقرأ الأعرج وأبو عمرو بخلاف « تقوم » بالتاء . وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة : « يقوم » بالياء .
و
الْأَشْهادُ
: جمع شاهد ، كصاحب وأصحاب . وقالت فرقة : أشهاد : جمع شهيد ، كشريف وأشراف .
و :
يَوْمَ لا يَنْفَعُ
بدل من الأول . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتادة وعيسى وأهل مكة « لا تنفع » بالتاء من فوق . وقرأ الباقون : « لا ينفع » بالياء ، وهي قراءة جعفر وطلحة وعاصم وأبي رجاء ، وهذا لأن تأنيث المعذرة غير حقيقي ، وأن الحائل قد وقع ، والمعذرة : مصدر يقع كالعذر . و :
اللَّعْنَةُ
: الإبعاد .
و :
سُوءُ الدَّارِ
فيه حذف مضاف تقديره : سوء عاقبة الدار .
ثم أخبر تعالى بقصة موسى وما أتاه من النبوة تأنيسا لمحمد عليه السلام ، وضرب أسوة وتذكيرا لما كانت العرب تعرفه من أمر موسى ، فيبين ذلك أن محمدا ليس ببدع من الرسل . و :
الْهُدى
النبوة والحكمة ، والتوراة تعم جميع ذلك .
وقوله :
وَأَوْرَثْنا
عبر عن ذلك بالوراثة إذ كانت طائفة بني إسرائيل قرنا بعد قرن تصير فيهم التوراة إماما ، فكان بعضهم يرثها عن بعض وتجيء التوراة في حق الصدر الأول منهم على تجوز . و :
الْكِتابَ
التوراة . ثم أمر نبيه عليه السلام بالصبر وانتظار إنجاز الوعد أي فستكون عاقبة أمرك كعاقبة أمره . وقال الكلبي : نسخت آية القتال الصبر حيث وقع .
وقوله تعالى :
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
يحتمل أن يكون ذلك قبل إعلام اللّه إياه إنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، لأن آية هذه السورة مكية ، وآية سورة الفتح مدنية متأخرة ، ويحتمل أن يكون الخطاب في هذه الآية له والمراد أمته ، أي إنه إذا أمر هو بهذا فغيره أحرى بامتثاله .
وَالْإِبْكارِ
والبكر : بمعنى واحد .
وقال الطبري :
الْإِبْكارِ
من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس . وحكي عن قوم أنه من طلوع الشمس