قوله عزّ وجل :
[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 18 إلى 21 ]
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ( 18 ) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 ) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 20 ) أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ( 21 )
أمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم بالإنذار للعالم والتحذير من يوم القيامة وأهواله ، وهو الذي أراد ب
يَوْمَ الْآزِفَةِ
، قاله مجاهد وقتادة وابن زيد : ومعنى
الْآزِفَةِ
: القريبة ، من أزف الشيء إذا قرب ، و
الْآزِفَةِ
في الآية صفة لمحذوف قد علم واستقر في النفوس هوله ، فعبر عنه بالقرب تخويفا ، والتقدير :
يوم الساعة الآزفة أو الطامة الآزفة ونحو هذا فكما لو قال : وأنذرهم الساعة لعلم هولها بما استقر في النفوس من أمرها ، فكذلك علم هنا إذا جاء بصفتها التي تقتضي حلولها واقترابها .
وقوله :
إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ
معناه : عند الحناجر ، أي قد صعدت من شدة الهول والجزع ، وهذا أمر يحتمل أن يكون حقيقة يوم القيامة من انتقال قلوب البشر إلى حناجرهم وتبقى حياتهم ، بخلاف الدنيا التي لا تبقى فيها لأحد مع تنقل قلبه حياة ، ويحتمل أن يكون تجوزا عبر عما يجده الإنسان من الجزع وصعود نفسه وتضايق حنجرته بصعود القلب ، وهذا كما تقول العرب : كادت نفسي أن تخرج ، وهذا المعنى يجده المفرط الجزع كالذي يقرب للقتل ونحو .
وقوله :
كاظِمِينَ
حال مما أبدل منه قوله :
إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ
أو مما تنضاف إليه القلوب ، لأن المراد إذ قلوب الناس لدى حناجرهم ، وهذا كقوله تعالى :
تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ
[ القمر : 8 ] أراد تشخص فيه أبصارهم ، والكاظم : الذي يرد غيظه وجزعه في صدره ، فمعنى الآية أنهم يطمعون برد ما يجدونه في الحناجر والحال تغالبهم . ثم أخبرهم تعالى أن الظالمين ظلم الكفر في تلك الحال ليس لهم حميم ، أي قريب يحتم لهم ويتعصب ، ولا لهم شفيع يطاع فيهم ، وإن هم بعضهم بالشفاعة لبعض فهي شفاعة لا تقبل ، وقد روي أن بعض الكفرة يقولون لإبليس يوم القيامة : اشفع لنا ، فيقوم ليشفع ، فتبدو منه أنتن ريح يؤذي بها أهل المحشر ، ثم ينحصر ويكع ويخزى . و :
يُطاعُ
في موضع الصفة ل
شَفِيعٍ
، لأن التقدير : ولا شفيع يطاع ، وموضع
يُطاعُ
يحتمل أن يكون خفضا حملا على اللفظ ، ويحتمل أن يكون رفعا عطفا على الموضع قبل دخول
مِنْ
.
قال القاضي أبو محمد : وهذه الآية كلها عندي اعتراض في الكلام بليغ .
وقوله :
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ
متصل بقوله :
سَرِيعُ الْحِسابِ
[ غافر : 17 ] لأن سرعة حسابه تعالى