تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
القائل هو إبليس ، أقسم بعزة اللّه تعالى ، قال قتادة : علم عدو اللّه أنه ليست له عزة فأقسم بعزة اللّه أنه يغوي ذرية آدم أجمع إلا من أخلص اللّه للإيمان به . قال القاضي أبو محمد : وهذا استثناء الأقل عن الأكثر على باب الاستثناء لأن المؤمنين أقل من الكفرة بكثير ، بدليل حديث بعث النار وغيره . وجوز قوم أن يستثنى الكثير من الجملة ويترك الأقل على الحكم الأول ، واحتجوا بقوله تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ
[ الحجر : 42 ] وقال من ناقضهم : العباد هنا : يعم البشر والملائكة ، فبقي الاستثناء على بابه في أن الأقل هو المستثنى . وفتح اللام من
الْمُخْلَصِينَ
وكسرها ، قد تقدم ذكره . والقائل :
فَالْحَقُّ
هو اللّه تعالى قال مجاهد : المعنى فالحق أنا . وقرأ جمهور القراء : « فالحقّ والحقّ » بنصب الاثنين ، فأما الثاني فمنصوب ب
أَقُولُ
، وأما الأول فيحتمل أن ينتصب على الإغراء ، ويحتمل أن ينتصب على القسم على إسقاط حرف القسم ، كأنه قال : فو الحق ، ثم حذف الحرف كما تقول : اللّه لأفعلن ، تريد : واللّه ، ويقوي ذلك قوله :
لَأَمْلَأَنَّ
، وقد قال سيبويه : قلت للخليل ما معنى لأفعلن إذا جاءت مبتدأة : قال هي بتقدير قسم منوي . وقالت فرقة : « الحق » الأول منصوب بفعل مضمر . وقال ابن عباس ومجاهد : « فالحقّ والحقّ » برفع الاثنين ، فأما الأول فرفع بالابتداء وخبره في قوله :
لَأَمْلَأَنَّ
، لأن المعنى : أن أملأ ، وأما الثاني فيرتفع على ابتداء أيضا . وقرأ عاصم وحمزة : « فالحقّ » بالرفع « والحقّ » بالنصب ، وهي قراءة مجاهد والأعمش وأبان بن تغلب وإعراب هذه بين . وقرأ الحسن : « فالحقّ والحقّ » بخفض القاف فيهما على القسم ، وذكرها أبو عمرو الداني . ثم أمر تعالى نبيه أن يخبرهم بأنه ليس بسائل أجر ولا مال ، وأنه ليس ممن يتكلف ما لم يجعل إليه ولا يتحلى بغير ما هو فيه . وقال الحسين بن الفضل : هذه الآية ناسخة لقوله :
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
[ الشورى : 23 ] وقال الزبير بن العوام : نادى منادي النبي صلى اللّه عليه وسلم ، اللهم اغفر للذين لا يدعون ولا يتكلفون ، ألا إني بريء من التكلف ، وصالحو أمتي ، وقوله تعالى :
إِنْ هُوَ
يريد به القرآن . و :
ذِكْرٌ
بمعنى : تذكرة ، ثم توعدهم بقوله :
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
وهذا على حذف تقديره : لتعلمن صدق نبئه بعد حين في توعدكم واختلف الناس في معنى قوله :
بَعْدَ حِينٍ
إلى أي وقت أشار ، لأن الحين في اللغة يقع على القليل والكثير من الوقت ، فقال ابن زيد : أشار إلى يوم القيامة . وقال قتادة والحسن في اللغة أشار إلى الآجال التي لهم ، لأن كل واحد منهم يعرف الحقائق بعد موته . وقال السدي : أشار إلى يوم بدر ، لأنه يوم عرف الكفار فيه صدق وعيد القرآن لهم .