قال : الكتاب منزل ، وفي الجمل التي هي ابتداء وخبر إبهام ما تشبه به الجزاء ، فجاءت الفاء كالجواب ، كما تقول : زيد قائم فأكرمه ، ونحو هذا :
وقائلة خولان فانكح فتاتهم التقدير : هذه خولان . و :
مُخْلِصاً
حال . و :
الدِّينَ
نصب به . ومعنى الآية الأمر بتحقيق النية للّه في كل عمل ، و
الدِّينَ
هنا يعم المعتقدات وأعمال الجوارح .
وقوله تعالى :
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ
بمعنى من حقه ومن واجباته لا يقبل غير هذا ، وهذا كقوله :
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ
[ الجاثية : 36 ] ، أي واجبا ومستحقا . قال قتادة :
الدِّينُ الْخالِصُ
، لا إله إلا اللّه .
وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا
رفع بالابتداء ، وخبره في المحذوف المقدر ، تقديره : يقولون ما نعبدهم ، وفي مصحف ابن مسعود : « قالوا ما نعبدهم » ، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وابن جبير .
و :
أَوْلِياءَ
يريد بذلك معبودين ، وهذه مقالة شائعة في العرب ، يقول كثير منهم في الجاهلية : الملائكة بنات اللّه ونحن نعبدهم ليقربونا ، وطائفة منهم قالت ذلك في أصنامهم وأوثانهم . وقال مجاهد : قد قال ذلك قوم من اليهود في عزير ، وقوم من النصارى في عيسى ابن مريم . وفي مصحف أبي بن كعب : « ما نعبدكم » بالكاف « إلا لتقربونا » بالتاء . و
زُلْفى
بمعنى قربى وتوصلة ، كأنه قال : لتقربونا إلى اللّه تقريبا ، وكأن هذه الطوائف كلها كانت ترى نفوسها أقل من أن تتصل هي باللّه ، فكانت ترى أن تتصل بمخلوقاته .
و
زُلْفى
عند سيبويه مصدر في موضع الحال ، كأنه ينزل منزلة متزلفين ، والعامل فيه
لِيُقَرِّبُونا
هذا مذهب سيبويه وفيه خلاف ، وباقي الآية وعيد في الدنيا والآخرة قوله عزّ وجل :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ
هذه الآية إما أن يكون معناها أن اللّه لا يهدي الكاذب الكفار في حال كذبه وكفره ، وإما أن يكون لفظها العموم ومعناها الخصوص فيمن ختم اللّه عليه بالكفر وقضى في الأزل أنه لا يؤمن أبدا ، وإلا فقد وجد الكاذب الكفار قد هدى كثيرا .
وقرأ أنس بن مالك والجحدري : « كذب كفار » بالمبالغة فيهما ، ورويت عن الحسن والأعرج ويحيى بن يعمر ، وهذه المبالغة إشارة إلى المتوغل في الكفر ، القاسي فيه الذي يظن به أنه مختوم عليه .
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 4 إلى 5 ]
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ( 4 ) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ( 5 )
قوله تعالى :
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ
. معناه : اتخاذ التشريف والتبني ، وعلى هذا يستقيم . قوله تعالى :
لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ
.