والعين والوجه صفات ذات زائدة على القدرة والعلم وغير ذلك من متقرر صفاته تعالى ، وذلك قول مرغوب عنه ويسميها الصفات الخبرية . وروي في بعض الآثار أن اللّه تعالى خلق أربعة أشياء بيده وهي : العرش والقلم وجنة عدن وآدم وسائر المخلوقات بقوله : « كن » .
قال القاضي أبو محمد : وهذا إن صح فإنما ذكر على جهة التشريف للأربعة والتنبيه منها ، وإلا فإذا حقق النظر فكل مخلوق فهو بالقدرة التي بها يقع الإيجاد بعد العدم .
وقرأت فرقة : « استكبرت » بصلة الألف على الخبر عن إبليس ، وتكون
أَمْ
بينة الانقطاع لا معادلة لها . وقرأت فرقة : « أستكبرت » بقطع الألف على الاستفهام ، ف
أَمْ
على هذا معادلة للألف ، وذهب كثير من النحويين إلى أن « أم » لا تكون معادلة للألف مع اختلاف الفعلين ، وإنما تكون معادلة إذا أدخلتا على فعل واحد ، كقولك : أزيد قام أو عمرو ؟ وقولك : أقام زيد أم عمرو ؟ قالوا : وإذا اختلف الفعلان كهذه الآية فليست أم معادلة ، ومعنى الآية : أحدث لك الاستكبار الآن أن كنت قديما ممن لا يليق أن تكلف مثل هذا لعلو مكانك ، وهذا على جهة التوبيخ .
وقول إبليس :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
قياس أخطأ فيه ، وذلك أنه لما توهم أن النار أفضل من الطين ، قاس أن ما يخلق من الأفضل فهو أفضل من الذي يخلق من المفضول ، ولم يدر أن الفضائل تخصيصات من اللّه تعالى يسم بها من شاء ، وفي قوله رد على حكمة اللّه تعالى وتجوير . وذلك بين في قوله :
أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ
[ الإسراء : 62 ] ثم قال :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
، وعند هذه المقالة اقترن كفر إبليس به إما عنادا على قول من يجيزه ، وإما بأن سلب المعرفة ، وظاهر أمره أنه كفر عنادا ، لأن اللّه تعالى قد حكم عليه بأنه كافر ، ونحن نجده خلال القصة يقول : يا رب بعزتك وإلى يوم يبعثون ، فهذا كله يقتضي المعرفة ، وإن كان للتأويل فيه مزاحم فتأمله ، ثم أمر اللّه تعالى إبليس بالخروج على جهة الادخار له ، فقالت فرقة : أمره بالخروج من الجنة . وقالت فرقة : من السماء . وحكى الثعلبي عن الحسن وأبي العالية أن قوله :
مِنْها
يريد به من الخلقة التي أنت فيها ومن صفات الكرامة التي كانت له ، قال الحسين بن الفضل : ورجعت له أضدادها ، وعلى القول الأول فإنما أمره أمرا يقتضي بعده عن السماء ، ولا خلاف أنه أهبط إلى الأرض .
و « الرجيم » : المرجوم بالقول السيّئ . و « اللعنة » : الإبعاد . و :
يَوْمِ الدِّينِ
يوم القيامة . و
الدِّينِ
:
الجزاء ، وإنما حد له اللعنة ب
يَوْمِ الدِّينِ
، ولعنته إنما هي مخلدة ليحصر له أمد التوبة ، لأن امتناع توبته بعد يوم القيامة ، إذ ليست الآخرة دار عمل . ثم إن إبليس سأل النظرة وتأخير الأجل إلى يوم بعث الأجساد من القبور ، فأعطاه اللّه تعالى الإبقاء
إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
.
واختلف الناس في تأويل ذلك ، فقال الجمهور : أسعفه اللّه في طلبته وأخره إلى يوم القيامة ، فهو الآن حي مغو مضل ، وهذا هو الأصح من القولين . وقالت فرقة : لم يسعف بطلبته ، وإنما أسعف إلى الوقت الذي سبق من اللّه تعالى أن يموت إبليس فيه . وقال بعض هذه الفرقة : مات إبليس يوم بدر .
قوله عزّ وجل :
[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 82 إلى 88 ]
قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 ) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ( 84 ) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( 85 ) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ( 86 )
إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 87 ) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ( 88 )