وقوله :
إِذْ يَخْتَصِمُونَ
مقطوع منه معناه : إذ تختصم العرب الكافرة في الملإ فيقول بعضها هي بنات اللّه ، ويقول بعضها : هي آلهة تعبد ، وغير ذلك من أقوالهم . وقالت فرقة : أراد ب « الملأ الأعلى » قريشا . وهذا قول ضعيف لا يتقوى من جهة .
وقرأ جمهور الناس : « ألا أنما » بفتح الألف ، كأنه يقول : ألا إنذار . وقرأ أبو جعفر « إلا أنما أنا » على الحكاية ، كأنه قيل له : أنت نذير مبين ، فحكى هذا المعنى ، وهذا كما يقول إنسان : أنا عالم ، فيقال له :
قلت إنك عالم ، فيحكي المعنى .
و :
إِذْ
في قوله :
إِذْ قالَ رَبُّكَ
بدل من قوله :
إِذْ
الأولى على تأويل من رأى الخصومة في شأن من يستخلف في الأرض ، وعلى الأقوال الأخر يكون العامل في
إِذْ
الثانية فعل مضمر تقديره :
واذكر إذ قال . والبشر المخلوق من الطين : هو آدم عليه السلام . و :
سَوَّيْتُهُ
يريد به شخصه .
وَنَفَخْتُ
هي عبارة عن إجراء الروح فيه ، وهي عبارة على نحو ما يفهم من إجراء الأشياء بالنفخ .
وقوله :
مِنْ رُوحِي
هي إضافة ملك إلى مالك ، لأن الأرواح كلها هي ملك للّه تعالى ، وأضاف إلى نفسه تشريفا .
وقوله :
ساجِدِينَ
اختلف الناس فيه ، فقالت فرقة : على السجود المتعارف . وقالت فرقة معناه :
خاضعين على أصل السجود في اللغة . ثم أخبر تعالى أن الملائكة بأمره سجدوا
إِلَّا إِبْلِيسَ
فإنه
اسْتَكْبَرَ
عن السجود .
وقوله تعالى :
وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ
يحتمل أن يريد به : وكان من أول أمره من الكافرين في علم اللّه تعالى ، قاله ابن عباس ، ويحتمل أن يريد : ووجد عند هذه الفعلة من الكافرين ، وعلى القولين فقد حكم اللّه على إبليس بالكفر ، وأخبر أنه كان عقد قلبه في وقت الامتناع .
قوله عزّ وجل :
[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 75 إلى 81 ]
قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ( 75 ) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 76 ) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 77 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 78 ) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 79 )
قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 80 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 81 )
القائل لإبليس هو اللّه عزّ وجل ، وقوله
ما مَنَعَكَ
تقرير وتوبيخ .
وقرأ عاصم والجحدري : « لمّا خلقت » بفتح اللام من : « لمّا » وشد الميم .
وقرأ جمهور الناس : « بيدي » بالتثنية . وقرأت فرقة : « بيديّ » بفتح الياء ، وقد جاء في كتاب اللّه :
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا
[ يس : 71 ] بالجمع .
وهذه كلها عبارة عن القدرة والقوة ، وعبر عن هذا المعنى بذكر اليد تقريبا على السامعين ، إذ المعتاد عند البشر أن القوة والبطش والاقتدار إنما هو باليد ، وقد كانت جهالة العرب باللّه تعالى تقتضي أن تنكر نفوسها أن يكون خلق بغير مماسة ، ونحو هذا من المعاني المعقولة ، وذهب القاضي ابن الطيب إلى أن اليد