تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
وقد قالوا : رجل كرام ، أي كريم . قوله عزّ وجل :

[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 6 إلى 9 ]

وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ( 6 ) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ ( 7 ) أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ( 8 ) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ( 9 ) روي في قصص هذه الآية أن أشراف قريش وجماعتهم اجتمعوا عند مرض أبي طالب عم النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : إن من القبيح علينا أن يموت أبو طالب ونؤذي محمدا بعده ، فتقول العرب : تركوه مدة عمه ، فلما مات آذوه ، ولكن لنذهب إلى أبي طالب فلينصفنا منه ، وليربط بيننا وبينه ربطا ، فنهضوا إليه ، فقالوا يا أبا طالب إن محمدا يسب ويسفه آراءنا وآراء آبائنا ونحن لا نقاره على ذلك ، ولكن افصل بيننا وبينه في حياتك ، بأن يقيم في منزله يعبد ربه الذي يزعم ، ويدع آلهتنا ، ولا يعرض لأحد منا بشيء من هذا ، فبعث أبو طالب في محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقال يا محمد ، إن قومك قد دعوك إلى النصفة ، وهي أن تدعهم وتعبد ربك وحدك ، فقال : أو غير ذلك يا عم ؟ قال وما هو ؟ قال : يعطوني كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم قالوا وما هي ؟ فإنا نبادر إليها ، قال : لا إله إلا اللّه ، فنفروا عند ذلك ، وقالوا ما يرضيك منا غير هذا ؟ قال : واللّه لو أعطيتموني الأرض ذهبا ومالا . وفي رواية : لو جعلتم الشمس في يميني والقمر في شمالي ما أرضاني منكم غيرها ، فقاموا عند ذلك ، وبعضهم يقول :
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
[ ص : 5 ] ويرددون هذا المعنى ، وعقبة بن أبي معيط يقول :
امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ
. وجلبت هذا الخبر تام المعنى ، وفي بعض رواياته زيادة ونقصان ، والغرض متقارب ، ولما ذهبوا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا عم ، قل لا إله إلا اللّه كلمة أشهد لك بها عند اللّه ، فقال : واللّه لولا أن تكون سبة في بني بعدي لأقررت بها عينك ، ومات وهو يقول : على ملة عبد المطلب ، فنزلت في ذلك :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
[ القصص : 56 ] وانطلق . فقوله تعالى في هذه الآية :
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ
عبارة عن خروجهم عن أبي طالب وانطلاقهم من ذلك الجمع ، هذا قول جماعة من المفسرين . وقالت فرقة : هي عبارة عن إذاعتهم لهذه الأقاويل ، فكأنه كما يقول الناس : انطلق الناس بالدعاء للأمير ونحوه ، أي استفاض كلامهم بذلك ، و
الْمَلَأُ
الأشراف والرؤوس الذين يسدون مسد الجميع في الآراء ونحوه . وقوله :
أَنِ امْشُوا
أَنِ
مفسرة لا موضع لها في الإعراب ، ويجوز أن يكون في موضع نصب بإسقاط حرف الجر ، أي بأن ، فهي بتقدير المصدر ، كأنه قال : وانطلق الملأ منهم بقولهم : امشوا ومعنى الآية أنه قال بعضهم لبعض امشوا واصبروا على كل أمر آلهتكم ، وذهب بعض الناس إلى أن قولهم :
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 493 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى