تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
وتحت أمر خطير ، ما ينتظرون فيه إلا الهلكة ، وليس معناه التوعد بشيء معين ينتظره محمد فيه كالتأويل الأول . وقرأ جمهور القراء : « فواق » بفتح الفاء . وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب والأعمش وأبو عبد الرحمن : « فواق » بضم الفاء . قال ابن عباس وغيره : هما بمعنى واحد ، أي ما لها من انقطاع وعودة ، بل هي متصلة حتى تهلكهم ، ومنه فواق الحلب : المهلة التي بين الشخبين : وجعلوه مثل قصاص الشعر وقصاصه وغير ذلك ، ومنه الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من رابط فوق ناقة حرم اللّه جسده على النار » . وقال ابن زيد وأبو عبيدة ومؤرج والفراء : المعنى مختلف : الضم كما تقدم من معنى فواق الناقة ، والفتح بمعنى الإفاقة ، أي ما يكون لهم بعد هذه الصيحة إفاقة ولا استراحة ، ف « فواق » : مثل جواب ، من أجاب . ثم ذكر عزّ وجل عنهم أنهم قالوا :
رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ
والقط : الحظ والنصيب ، والقط أيضا : الصك والكتاب من السلطان بصلة ونحوه ، ومنه قول الأعشى : [ الطويل ]
ولا الملك النعمان يوم لقيته * بغبطته يعطي القطوط ويافق
وهو من قططت ، أي قطعت . واختلف الناس في « القط » هنا ما أرادوا به ، فقال سعيد بن جبير : أرادوا به عجل لنا نصيبنا من الخير والنعيم في دنيانا . وقال أبو العالية والكلبي : أرادوا عجل لنا صحفنا بإيماننا ، وذلك لما سمعوا في القرآن أن الصحف تعطى يوم القيامة بالأيمان والشمائل ، قالوا ذلك . وقال ابن عباس وغيره : أرادوا ضد هذا من العذاب ونحوه ، فهذا نظير قولهم :
فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
[ الأنفال : 42 ] وقال السدي ، المعنى : أرنا منازلنا في الجنة حتى نتابعك ، وعلى كل تأويل ، فكلامهم خرج على جهة الاستخفاف والهزء ، ويدل على ذلك ما علم من كفرهم واستمر ، ولفظ الآية يعطي إقرارا بيوم الحساب . وقوله تعالى :
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
أي من هذه الأقاويل التي يريدون بها الاستخفاف ولا يلتفت إليها : واذكر داود ذا الأيد في الدين والشرع والصدع به ، فتأس به وتأيد كما تأيد . و :
الْأَيْدِ
القوة ، وهي في داود متضمنة قوة البدن وقوته على الطاعة . و « الأواب » الرجاع إلى طاعة اللّه ، وقاله مجاهد وابن زيد ، وفسره السدي بالمسبح ، وذكر الثعلبي أن أبا هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : الزرقة يمن . وكان داود أزرق . وأخبر تعالى عما وهب لداود من الكرامة في أن سخر الجبال تسبح معه ، وظاهر الآية عموم الجبال . وقالت فرقة : بل هي الجبال التي كان فيها وعندها ، وتسبيح الجبال هنا حقيقة .
وَالْإِشْراقِ
وقت ضياء الشمس وارتفاعها ، ومنه قولهم : أشرق ثبير ، أي ادخل في الشروق ، وفي هذين الوقتين كانت صلاة بني إسرائيل . وقال ابن عباس : صلاة الضحى عندنا هي صلاة الإشراق ، وهي في هذه الآية . وقوله تعالى :
وَالطَّيْرَ
عطف على
الْجِبالَ
، أي وسخرنا الطير ، و
مَحْشُورَةً
نصب على الحال ، ومعناه : مجموعة .