تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
التقمته بعد أن وقع في الماء ، وروي أن اللّه أوحى إلى الحوت أني لم أجعل يونس لك رزقا وإنما جعلت بطنك له حرزا وسجنا فهذا معنى
فَساهَمَ
أي قارع وكذلك فسر ابن عباس والسدي ، و « المدحض » الزاهق المغلوب في محاضة أو مساهمة أو مسابقة ومنه الحجة الداحضة ، و « المليم » الذي أتى ما يلام عليه ، ألام الرجل دخل في اللوم ، وبذلك فسر مجاهد وابن زيد ومنه قول الشاعر : [ الطويل ]
وكم من مليم لم يصب بملامة * ومتبع بالذنب ليس له ذنب
ومنه قول لبيد بن ربيعة : [ الكامل ]
سفها عذلت ولمت غير مليم * وهداك قبل اليوم غير حكيم
ثم استنقذه اللّه من بطن الحوت بعد مدة واختلف الناس فيها ، فقالت فرقة بعد ساعة من النهار ، وقالت فرقة بعد سبع ساعات ، وقال مقاتل بن حيان بعد ثلاثة أيام ، وقال عطاء بن أبي رباح بعد سبعة أيام ، وقالت فرقة بعد أربعة عشر يوما ، وقال أبو مالك والسدي بعد أربعين يوما ، وهو قول ابن جريج أنه بلغه وجعل تعالى علة استنقاذه مع القدر السابق تسبيحه ، واختلف الناس في ذلك فقال ابن جريج هو قوله في بطن الحوت سبحان اللّه ، وقالت فرقة بل التسبيح وصلاة التطوع ، واختلفت هذه الفرقة ، فقال قتادة وابن عباس وأبو العالية صلاته في وقت الرخاء نفعته في وقت الشدة ، وقال هذا جماعة من العلماء ، وقال الضحاك بن قيس على منبره اذكروا اللّه في الرخاء يذكركم في الشدة إن يونس كان عبدا للّه ذاكرا فلما أصابته الشدة نفعه ذلك ، قال اللّه عزّ وجل :
فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
، وإن فرعون كان طاغيا باغيا فلما أدركه الغرق قال آمنت فلم ينفعه ذلك ، فاذكروا اللّه في الرخاء يذكركم في الشدة . وقال قتادة في الحكمة : إن العمل يرفع صاحبه إذ عثر فإذا صرع وجد متكئا ، وقال الحسن بن أبي الحسن : كانت سبحته صلاة في بطن الحوت ، وروي أنه كان يرفع لحم الحوت بيديه ويقول يا رب لأبنين لك مسجدا حيث لم يبنه أحد قبلي ويصلي ، وروى أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يونس حين نادى في الظلمات ، ارتفع نداؤه إلى العرش فقالت الملائكة : يا رب هذا صوت ضعيف من موضع غربة ، فقال اللّه هو عبدي يونس فأجاب اللّه دعوته . قال القاضي أبو محمد : وذكر الحديث وقال ابن جبير الإشارة بقوله
مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
إلى قوله
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
[ الأنبياء : 87 ] . قال القاضي أبو محمد : وكثر الناس في هذا القصص بما اختصرناه لعدم الصحة ، وروي أن الحوت مشى به في البحار كلها حتى قذفه في نصيبين من ناحية الموصل فنبذه اللّه في عراء من الأرض ، و « العراء » الفيفاء التي لا شجر فيها ولا معلم ومنه قول الشاعر :
رفعت رجلا لا أخاف عثارها * ونبذت بالبلد العراء ثيابي
وقال السدي وابن عباس في تفسير قوله
وَهُوَ سَقِيمٌ
، إنه كان كالطفل المنفوش بضعة لحم ، وقال بعضهم كان كاللحم النيء إلا أنه لم ينقص من خلقه شيء فأنعشه اللّه في ظل « اليقطينة » بلبن أروية كانت