تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ
[ آل عمران : 128 ] . قال القاضي أبو محمد : وهذا المعنى قليل التمكن في قوله
أَوْ يَزِيدُونَ
، وقال المبرد وكثير من البصريين : المعنى على نظر البشر وحزرهم ، أي من رآهم قال : هم مائة ألف أو يزيدون ، وروي في قوله تعالى :
فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ
فمتعهم
إِلى حِينٍ
أنهم خرجوا بالأطفال وأولاد البهائم وفرقوا بينها وبين الأمهات وناحوا وضجوا وأخلصوا فرفع اللّه عنهم ، والتمتيع هنا هو بالحياة و « الحين » آجالهم السابقة في الأزل ، قاله قتادة والسدي ، وقرأ ابن أبي عبلة « حتى حين » ، وفي قوله تعالى :
فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
مثال لقريش أي أن آمنوا كما جرى لهؤلاء ، ومن هنا حسن انتقال القول والمحاورة إليهم بقوله ،
فَاسْتَفْتِهِمْ
فإنما يعود ضميرهم على ما في المعنى من ذكرهم ، والاستفتاء السؤال ، وهو هنا بمعنى التقريع والتوبيخ ، على قولهم على اللّه البهتان وجعلهم البنات للّه تعالى عن ذلك وأمره بتوقيفهم على جهة التوبيخ أيضا هل شاهدوا أن الملائكة إناث فيصح لهم القول به ، ثم أخبر تعالى عن فرقة منهم بلغ بها الإفك والكذب إلى أن قالت ولد اللّه الملائكة لأنه نكح في سروات الجن وهذه فرقة من بني مدلج فيما روي ، وقرأ جمهور الناس « اصطفى » بالهمز وهو ألف الاستفهام وهذا على جهة التقرير والتوبيخ على نسبتهم إليه اختيار الأدنى عندهم ، وقرأ نافع في رواية إسماعيل عنه « اصطفى » بصلة الألف على الخبر كأنه يحكي شنيع قولهم ، ورواها إسماعيل عن أبي جعفر وشيبة ، ثم قرر ووبخ وعرض للتذكر والنظر واستفهم عن البرهان والحجة على جهة التقرير وضمهم الاستظهار بكتاب أو أمر يظهر صدقهم ، وقرأ الجمهور « أفلا تذكّرون » مشددة الذال والكاف ، وقرأ طلحة بن مصرف « تذكرون » بسكون الذال وضم الكاف خفيفة . قوله عزّ وجل :

[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 158 إلى 169 ]

وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ( 158 ) سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 159 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 160 ) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ( 161 ) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ( 162 ) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ ( 163 ) وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ( 164 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ( 165 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ( 166 ) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ( 167 ) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 168 ) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 169 ) الضمير في قوله
وَجَعَلُوا
لفرقة من كفار قريش والعرب ، قال ابن عباس في كتاب الطبري إن بعضهم قال إن اللّه تعالى وإبليس أخوان ، وقال مجاهد : قال قوم لأبي بكر الصديق : إن اللّه تعالى نكح في سروات الجن ، وقال بعضهم إن الملائكة بناته ، ف
الْجِنَّةِ
على هذا القول الأخير يقع على الملائكة سميت بذلك لأنها مستجنة أي مستترة ، وقوله تعالى :
وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
من جعل الجنة الشياطين جعل العلامة في
عَلِمَتِ
لها ، والضمير في
إِنَّهُمْ
عائد عليهم أي جعلوا الشياطين بنسب من اللّه والشياطين تعلم ضد ذلك من أنها ستحضر أمر اللّه وثوابه وعقابه ، ومن جعل الجنة الملائكة جعل الضمير في
إِنَّهُمْ
للقائلين هذه المقالة أي علمت الملائكة أن هؤلاء الكفرة سيحضرون ثواب اللّه وعقابه وقد يتداخل هذان القولان ، ثم نزه تعالى نفسه عما يصفه الناس ولا يليق به ، ومن هذا استثنى العباد
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 488 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى