قال القاضي أبو محمد : ومن
الْكَرْبِ
تكذيب الكفرة وركوب الماء وهوله قال الرماني :
الْكَرْبِ
: الحر الثقيل على القلب ، وقوله تعالى :
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
قال ابن عباس وقتادة :
أهل الأرض كلهم من ذرية نوح ، قال الطبري : والعرب من أولاد سام ، والسودان من أولاد حام ، والترك والصقلب وغيرهم من أولاد يافث ، وروي عن سمرة بن جندب أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
فقال : « سام وحام ويافث » ، وقالت فرقة : إن اللّه تعالى أبقى ذرية نوح ومد نسله وبارك في ضئضئه وليس الأمر بأن أهل الأرض انحصروا إلى نسله بل في الأمم من لا يرجع إليه ، والأول أشهر عند علماء الأمة وقالوا
نُوحٌ
هو آدم الأصغر ، وقوله
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ
معناه ثناء حسنا جميلا آخر الدهر ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي ، وقوله
سَلامٌ
على هذا التأويل رفع بالابتداء مستأنف سلم اللّه به عليه ليقتدي بذلك البشر ، قال الطبري : هذه أمانة منه لنوح في العالمين أن يذكره أحد بسوء .
قال القاضي أبو محمد : هذا جزاء ما صبر طويلا على أقوال الكفرة الفجرة ، وقال الفراء وغيره من الكوفيين : قوله
سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ
جملة في موضع نصب ب
تَرَكْنا
وهذا هو المتروك عليه ، فكأنه قال وتركنا على نوح تسليما يسلم به عليه إلى يوم القيامة ، وفي قراءة عبد اللّه « سلاما على نوح » على النصب ب
تَرَكْنا
صلى اللّه على نوح وعلى أهله وسلم تسليما وشرف وكرم وعلى جميع أنبيائه و
فِي الْآخِرِينَ
معناه في الباقين غابر الدهر ، والقراءة بكسر الخاء وما كان من إهلاك فهو بفتحها .
قوله تعالى :
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 80 إلى 90 ]
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 80 ) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 81 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ( 82 ) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ ( 83 ) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 84 )
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ ( 85 ) أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ( 86 ) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 87 ) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ( 88 ) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ ( 89 )
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ( 90 )
قوله تعالى :
كَذلِكَ
إشارة إلى إنعامه على نوح بالإجابة كما اقترح ، وأثنى تعالى على نوح بالإحسان ، لصبره على أذى قومه ومطاولته لهم وغير ذلك من عبادته وأفعاله صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله تعالى :
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ
يقتضي أنه أغرق قوم نوح وأمته ومكذبيه ، وليس في ذلك نص على أن الغرق عم جميع أهل الأرض ، ولكن قد قالت جماعة من العلماء وأسندت أحاديث بأن الغرق عم جميع الناس إلا من كان معه في السفينة ، وعلى هذا ترتب القول بأن الناس اليوم من ذريته ، وقالوا لم يكن الناس حينئذ بهذه الكثرة لأن عهد آدم كان قريبا ، وكانت دعوة نوح ونبوءته قد بلغت جميعهم لطول المدة واللبث فيهم فكان الجميع كفرة عبدة أوثان لم يثنهم الحق إلى نفسه فلذلك أغرق جميعهم ، وقوله تعالى :
مِنْ شِيعَتِهِ
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي : الضمير عائد على نوح ، والمعنى في الدين والتوحيد ، وقال الطبري وغيره عن الفراء : الضمير عائد على محمد صلى اللّه عليه وسلم والإشارة إليه .