تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
الضمير في
أَعْيُنِهِمْ
مراد به كفار قريش ، ومعنى الآية تبيين أنهم في قبضة القدرة وبمدرج العذاب إن شاء اللّه تعالى لهم ، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة : أراد الأعين حقيقة ، والمعنى لأعميناهم فلا يرون كيف يمشون ، ويؤيد هذا مجانسة المسخ للعمى الحقيقي ، وقال ابن عباس : أراد أعين البصائر ، والمعنى لو شئنا لختمنا عليهم بالكفر فلم يهتد منهم أحد أبدا ، و « الطمس » إذهاب الشيء ، من الآثار والهيئات ، حتى كأنه لم يكن ، أي جعلنا جلود وجوههم متصلة حتى كأنه لم تكن فيها عين قط ، وقوله تعالى :
فَاسْتَبَقُوا
معناه على الفرض والتقدير ، كأنه قال : ولو شئنا لأعميناهم فاحسب أو قدر أنهم يستبقون الصراط وهو الطريق
فَأَنَّى
لهم بالإبصار وقد أعميناهم ، و « أنى » لفظة استفهام فيه مبالغة وقدره سيبويه ، كيف ومن أين ، و « مسخناهم » ظاهره تبديل خلقتهم بالقردة والخنازير ونحوه مما تقدم في بني إسرائيل وغيرهم ، وقال الحسن وقتادة وجماعة من المفسرين : معناه لجعلناهم مقعدين مبطلين ، لا يستطيعون تصرفا ، وقال ابن سلام هذا التوعد كله يوم القيامة ، وقرأ الجمهور القراء « على مكانتهم » بإفراد ، وهو بمعنى المكان كما يقال دار ودارة ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر « على مكاناتهم » بالجمع ، وفي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق ، وقرأ جمهور القراء « مضيا » بضم الميم ، وقرأ أبو حيوة « مضيا » بفتحها ، ثم بين تعالى دليلا في تنكيسه المعمرين وأن ذلك مما لا يفعله إلا اللّه تعالى ، وقرأ جمهور الناس « ننكسه » بفتح النون الأولى وسكون الثانية ، وضم الكاف ، وقرأ حمزة وعاصم بخلاف عنه « ننكّسه » بضم النون الأولى وفتح الثانية وشد الكاف المكسورة على المبالغة ، وأنكرها أبو عمرو على الأعمش ، ومعنى الآية نحول خلقه من القوة إلى الضعف ومن الفهم إلى البله ، ونحو هذا ، وقرأ نافع وأبو عمرو في رواية عياش « تعقلون » بالتاء على معنى قل لهم ، وقرأ الباقون « يعقلون » بالياء على ذكر الغائب ، ثم أخبر تعالى عن حال نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم ورد قول من قال من الكفرة إنه شاعر ، وإن القرآن شعر بقوله تعالى :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
وكذلك كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يقول الشعر ، ولا يزنه ، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلا كسر وزنه ، وإنما كان يحرز المعنى فقط وأنشد يوما قول طرفة : [ الطويل ]
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك من لم تزوده بالأخبار
وأنشد يوما وقد قيل له من أشعر الناس ؟ فقال الذي يقول : [ الطويل ]
ألم ترياني كلما جئت طارقا * وجدت بها وإن لم تطيب طيبا
وأنشد يوما :
أتجعل نهبي ونهب العبي * د بين الأقرع وعيينة
وقد كان صلى اللّه عليه وسلم ربما أنشد البيت المستقيم في النادر وروي أنه أنشد بيت ابن رواحة : [ الطويل ]