تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي اللّه عنهما أنها قرءا « من بعثنا » بكسر الميم على أنها لابتداء الغاية ، وسكون العين وكسر الثاء على المصدر ، وفي قراءة ابن مسعود ، « من أهبنا من مرقدنا » أي من نبهنا ، وفي قراءة أبي بن كعب « من هبنا » ، قال أبو الفتح ولم أر لها في اللغة أصلا ولا مر بنا مهبوب ، ونسبها أبو حاتم إلى ابن مسعود رضي اللّه عنه ، وقولهم
مِنْ مَرْقَدِنا
يحتمل أن يريدوا من موضع الرقاد حقيقة ، ويروى عن أبي بن كعب وقتادة ومجاهد أن جميع البشر ينامون نومة قبل الحشر . قال القاضي أبو محمد : وهذا غير صحيح الإسناد ، وإنما الوجه في قولهم
مِنْ مَرْقَدِنا
أنها استعارة وتشبيه ، كما تقول في قتيل هذا مرقده إلى يوم القيامة ، وفي كتاب الثعلبي : أنهم قالوا
مِنْ مَرْقَدِنا
لأن عذاب القبر كان كالرقاد في جنب ما صاروا إليه من عذاب جهنم ، وقال الزجاج : يجوز أن يكون هذا إشارة إلى المرقد ، ثم استأنف بقوله ،
ما وَعَدَ الرَّحْمنُ
ويضمر الخبر حق أو نحوه ، وقال الجمهور : ابتداء الكلام
هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ
، واختلف في هذه المقالة من قالها ، فقال ابن زيد : هي من قول الكفرة أي لما رأوا البعث والنشور الذي كانوا يكذبون به في الدنيا قالوا
هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
وقالت فرقة : ذلك من قول اللّه تعالى لهم على جهة التوبيخ والتوقيف ، وقال الفراء : هو من قول الملائكة ، وقال قتادة ومجاهد : هو من قول المؤمنين للكفرة على جهة التقريع ، ثم أخبر تعالى أن أمر القيامة والبعث من القبور ما هو
إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً
فإذا الجميع حاضر محشور ، وقرأت فرقة « إلا صيحة » بالنصب ، وقرأت فرقة « إلا صيحة » بالرفع ، وقد تقدم إعراب نظيرها ، وقوله
فَالْيَوْمَ
نصب على الظرف ، ويريد يوم القيامة ، والحشر المذكور وهذه مخاطبة يحتمل أن تكون لجميع العالم . قوله عزّ وجل :

[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 55 إلى 61 ]

إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ( 55 ) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ ( 56 ) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ ( 57 ) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ( 58 ) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ( 59 ) أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) هذا إخبار من اللّه عزّ وجل عن حال أهل الجنة بعقب ذكر أهوال يوم القيامة وحالة الكفار ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وطلحة وخالد بن إلياس « في شغل » بضم الشين وسكون الغين ، وقرأ الباقون « في شغل » بالضم فيهما وهي قراءة أهل المدينة والكوفة ، وقرأ مجاهد وأبو عمرو أيضا بالفتح فيهما ، وقرأ ابن هبيرة على المنبر « في شغل » بفتح الشين وسكون الغين وهي كلها بمعنى واحد ، واختلف الناس في تعيين هذا الشغل ، فقال ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب : في افتضاض الأبكار ، وحكى النقاش عن ابن عباس سماع الأوتار ، وقال مجاهد معناه نعيم قد شغلهم . قال القاضي أبو محمد : وهذا هو القول الصحيح وتعيين شيء دون شيء لا قياس له ، ولما كان
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 458 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى