تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
أي النوع كما تقول هذان من ضرب واحد وهذا ضريب هذا أي قرينه وشبهه ، فكأن ضرب المثل هو أن يجعل للأمر الممثل ضريب ، وباقي الآية بين . وقرأت فرقة « يدعون » بالياء من تحت ، وقرأت فرقة « تدعون » بالتاء على المخاطبة ، وقال جابر : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله
إِلَّا الْعالِمُونَ
: « العالم من عقل عن اللّه فعمل بطاعته وانتهى عن معصيته » . قوله عزّ وجل :

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 44 إلى 45 ]

خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ( 44 ) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ( 45 ) نبه في ذكر خلق
السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
على أمر يوقع الذهن على صغر قدر الأوثان وكل معبود من دون اللّه ، وقوله تعالى :
بِالْحَقِّ
أي بالواجب النير لا للعبث واللعب ، بل ليدل على سلطانه ويثبت شرائعه ويضع الدلالات لأهلها ويعم بالمنافع إلى غير ذلك مما لا يحصى عدا ، ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالنفوذ لأمره وتلاوة القرآن الذي أوحي إليه ، وإقامة الصلاة أي إدامتها والقيام بحدودها ثم أخبر حكما منه
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى
صاحبها وممتثلها
عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
. قال الفقيه الإمام القاضي : وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع والإخبات وتذكر اللّه تعالى وتوهم الوقوف بين يدي العظمة ، وأن قلبه وإخلاصه مطلع عليه مرقوب صلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب اللّه تعالى فاطرد ذلك في أقواله وأعماله وانتهى عن الفحشاء والمنكر ، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حاله ، فهذا معنى هذا الإخبار لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون ، وقد روي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه فكلم في ذلك فقال : إني أقف بين يدي اللّه تعالى وحق لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك الملوك . قال الفقيه الإمام القاضي : فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر ، ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء لا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان ، فإن كان على طريقة معاص تبعده من اللّه تركته الصلاة يتمادى على بعده وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن والأعمش قولهم « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من اللّه إلا بعدا » . وقد روي أن الحسن أرسله عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وذلك غير صحيح السند ، سمعت أبي رضي اللّه عنه يقوله فإذا قررناه ونظرنا معناه فغير جائز أن نقول إن نفس صلاة العاصي تبعده من اللّه حتى كأنها معصية ، وإنما يتخرج ذلك على أنها لا تؤثر في تقريبه من اللّه تعالى بل تتركه في حاله ومعاصيه من الفحشاء والمنكر تبعده ، فلم تزده الصلاة إلا تقرير ذلك البعد الذي كان بسبيله ، فكأنها بعدته حين لم تكف بعده عن اللّه تعالى ، وقيل لابن مسعود إن فلانا كثير الصلاة ، فقال : إنها لا تنفع إلا من أطاعها ، وقرأ الربيع بن أنس « إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر » ، وقال ابن عمر
الصَّلاةَ
هاهنا
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 319 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى