تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
أصعب وجوهه ، والضمير في قوله
لَنَحْشُرَنَّهُمْ
عائد للكفار القائلين ما تقدم ، ثم أخبر أنه يقرن بهم
الشَّياطِينَ
المغوين لهم . وقوله
جِثِيًّا
جمع جاث كقاعد وقعود وجالس وجلوس وأصله جثووا وليس في كلام العرب واو متطرفة قبلها ضمة فوجب لذلك أن تعل ، ولم يعتد هاهنا بالساكن الذي بينهما لخفته وقلة حوله فقلبت ياء فجاء جثويا فاجتمع الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت ياء ثم أدغمت ثم كسرت التاء للتناسب بين الكسرة والياء . وقرأ الجمهور « جثيا » و « صليا » [ مريم : 70 ] بضم الجيم والصاد ، وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش « جثيا » و « صليا » [ ذاته ] بكسر الجيم والصاد وأخبر اللّه تعالى أنه يحضر هؤلاء المنكرين للبعث مع الشياطين فيجثون حول جهنم وهي قعدة الخائف الذليل على ركبتيه كالأسير . ونحوه قال قتادة
جِثِيًّا
معناه على ركبهم وقال ابن زيد : الجثي شر الجلوس ، و « الشيعة » الفرقة المرتبطة بمذهب واحد المتعاونة فيه كأن بعضهم يشيع بعضا أي ينبه ، ومنه تشييع النار بالحطب وهو وقدها به شيئا بعد شيء ، ومنه قيل للشجاع مشيع القلب فأخبر اللّه أنه ينزع
مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ
أعتاها وأولاها بالعذاب فتكون تلك مقدمتها إلى النار . قال أبو الأحوص : المعنى نبدأ بالأكابر فالأكابر جرما ، ثم أخبر تعالى في الآية بعد ، أنه أعلم بمستحقي ذلك وأبصر لأنه لم تخف عليه حالهم من أولها إلى آخرها . وقرأ بعض الكوفيين ومعاذ بن مسلم وهارون القاري « أيّهم » بالنصب ، وقرأ الجمهور « أيّهم » بالرفع ، إلا أن طلحة والأعمش سكنا ميم « أيهم » واختلف الناس في وجه رفع « أي » ، فقال الخليل رفعه على الحكاية بتقدير الذي يقال فيه من أجل عتوه « أيّهم » أشد وقرنه بقول الشاعر : [ الكامل ]
ولقد أبيت من الفتاة بمنزل * فأبيت لا حرج ولا محروم
أي فأبيت يقال فيّ لا حرج ولا محروم . ورجح الزجاج قول الخليل وذكر عنه النحاس أنه غلط سيبويه في قوله في هذه المسألة ، قال سيبويه : ويلزم على هذا أن يجوز أضرب السارق الخبيث أي الذي يقال له ع : وليس بلازم من حيث هذه أسماء مفردة والآية جملة وتسلط الفعل على المفرد أعظم منه على الجملة ، ومذهب سيبويه أن « أيّهم » مبني على الضم إذ هي أخت « الذي ولما » وخالفتهما في جواز الإضافة فيها فأعربت لذلك ، فلما حذف من صلتها ما يعود عليها ضعفت فرجعت إلى البناء ، وكأن التقدير « أيّهم » هو أشد . قال أبو علي : حذف ما الكلام مفتقر إليه فوجب البناء ، وقال يونس : علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء ، قال أبو علي : معنى ذلك أنه معمل في موضع من كل شيعة إلا أنه ملغى لأنه لا تعلق جملة إلا أفعال الشك كظننت ونحوها مما لم يتحقق وقوعه ، وقال الكسائي
لَنَنْزِعَنَّ
أريد به لننادين فعومل معاملة الفعل المراد فلم يعمل في « أي » ، وقال المبرد « أيّهم » متعلق ب
شِيعَةٍ
فلذلك ارتفع ، والمعنى من الذين تشايعوا « أيّهم » أشد كأنهم يتبارون إلى هذا ويلزمه أن يقدر مفعولا ل « ننزع » محذوفا . وقرأ طلحة بن مصرف « أيهم أكبر » . و
عِتِيًّا
مصدر أصله عتووا وعلل بما علل
جِثِيًّا
وروى أبو سعيد الخدري « أنه يندلق عنق من النار فيقول إني أمرت بكل جبار عنيد » فتلتقطهم الحديث . قوله عزّ وجل :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 70 إلى 72 ]

ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ( 70 ) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ( 72 )
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 26 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى