تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
أي نحن في ذلك النزع لا نضع شيئا غير موضعه لأنا قد أحطنا علما بكل أحد فالأولى بصلي النار نعرفه ، و « الصلي » مصدر صلي يصلى إذا باشره قال ابن جريج : المعنى
أَوْلى
بالخلود ، وقوله
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
قسم ، والواو تقتضيه ، ويفسره قول النبي عليه السلام « من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القسم » . وقرأ ابن عباس وعكرمة وجماعة « وإن منهم » بالهاء على إرادة الكفار فلا شغب في هذه القراءة ، وقالت فرقة من الجمهور القارئين
مِنْكُمْ
المعنى قل لهم يا محمد فإنما المخاطب منكم الكفرة وتأويل هؤلاء أيضا سهل التناول ، وقال الأكثر المخاطب العالم كله ولا بد من « ورود » الجميع ، واختلفوا في كيفية « ورود » المؤمنين فقال ابن مسعود وابن عباس وخالد بن معدان وابن جريج وغيرهم : « ورود » دخول لكنها لا تعدو على المؤمنين ثم يخرجهم اللّه منها بعد معرفتهم بحقيقة ما نجوا منه ، وروي عن ابن عباس أنه قال في هذه المسألة لنافع بن الأزرق الخارجي : أما أنا وأنت فلا بد أن نردها ، فأما أنا فينجيني اللّه منها ، وأما أنت فما أظنه ينجيك . وقالوا : في القرآن أربعة أوراد معناها الدخول هذه أحدها ، وقوله تعالى :
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ
[ هود : 98 ] ، وقوله
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً
[ مريم : 86 ] ، وقوله
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ
[ الأنبياء : 98 ] ، وقالوا كان من دعاء بعض السلف « اللهم أدخلني النار سالما وأخرجني منها غانما » . وروى جابر بن عبد اللّه عن النبي عليه السلام أنه قال « الورود في هذه الآية هو الدخول » . وأشفق كثير من العلماء من تحقق الورود والجهل بالصدر ، وقالت فرقة بل هو ورود إشراف واطلاع وقرب كما تقول وردت الماء إذا جئته ، وليس يلزم أن تدخل فيه ، قال وحسب المؤمنين بهذا هؤلاء ومنه قوله تعالى :
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
[ القصص : 23 ] ، وروت فرقة أن اللّه تعالى يجعل يوم القيامة النار جامدة الأعلى كأنها اهالة . فيأتي الخلق كلهم ، برهم وفاجرهم ، فيقفون عليها ثم تسوخ بأهلها ويخرج المؤمنون الفائزون لم ينلهم ضر ، قالوا فهذا هو « الورود » ، وروت حفصة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية » ، فقالت يا رسول اللّه وأين قول اللّه
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « فمه ثم ننجي الذين اتقوا » ، ورجح الزجاج هذا القول بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
[ الأنبياء : 101 ] ع : وهذا ضعيف وليس هذا موضع نسخ وقال عبد اللّه بن مسعود : ورودهم هو جوازهم على الصراط وذلك أن الحديث الصحيح تضمن « أن الصراط مضروب على جسر جهنم فيمر الناس كالبرق وكالريح وكالجواد من الخيل على مراتب ثم يسقط الكفار في جهنم وتأخذهم كلاليب » ، قالوا فالجواز على الصراط هو « الورود » الذي تضمنته هذه الآية ، وقال مجاهد : ورود المؤمنين هو الحمى التي تصيب في دار الدنيا ، وفي الحديث « الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء » ، وفي الحديث « الحمى حظ كل مؤمن من النار » ، وروى أبو هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لرجل مريض عاده من الحمى : إن اللّه تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من نار الآخرة فهذا هو الورود . و « الحتم » الأمر المنفذ المجزوم ، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس « ثم ننجي » بفتح الثاء من
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 27 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى