تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 26 إلى 28 ]

وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 26 ) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ( 27 ) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ( 28 ) المعنى واذكر
إِذْ بَوَّأْنا
، و « بوأ » هي تعدية باء بالتضعيف ، و « باء » معناه رجع فكأن المبوّأ يرد المبوأ إلى المكان ، واستعملت اللفظة بمعنى سكن ، ومنه قوله تعالى :
نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
[ الزمر : 74 ] وقال الشاعر :
كم من أخ لي صالح * بوأته بيديّ لحدا
واللام في قوله تعالى :
لِإِبْراهِيمَ
قالت فرقة هي زائدة ، وقالت فرقة
بَوَّأْنا
نازلة منزلة فعل يتعدى باللام كنحو جعلنا ع والأظهر أن يكون المفعول الأول ب
بَوَّأْنا
محذوفا تقديره الناس أو العالمين ، ثم قال
لِإِبْراهِيمَ
بمعنى له كانت هذه الكرامة وعلى يديه بوءوا ، و
الْبَيْتِ
هو الكعبة ، وكان فيما روي قد جعله اللّه تعالى متعبدا لآدم عليه السلام ، ثم درس بالطوفان ، وغيره فلما جاءت مدة إبراهيم أمره اللّه تعالى ببنائه ، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثرا ، فبعث اللّه ريحا فكشف له عن أساس آدم ، فرفع قواعده عليه . وقوله
أَنْ لا تُشْرِكْ
هي مخاطبة لإبراهيم عليه السلام ، في قول الجمهور حكيت لنا بمعنى قيل له لا تشرك ، وقرأ عكرمة « ألا يشرك » بالياء على نقل معنى القول الذي قيل له ، قال أبو حاتم : ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة بمعنى لأن لا يشرك ع يحتمل أن تكون « أن » في قراءة الجمهور مفسرة ، ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة ، وفي الآية طعن على من أشرك من قطان البيت ، أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعد ، وأنتم لم تفوا بل أشركتم ، وقالت فرقة : الخطاب من قوله
أَنْ لا تُشْرِكْ
لمحمد صلى اللّه عليه وسلم وأمر بتطهير البيت والأذان بالحج ع والجمهور على أن ذلك لإبراهيم وهو الأصح . وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء وغير ذلك ، و « القائمون » ، هم المصلون ، وذكر تعالى من أركان الصلاة : أعظمها . وهي القيام والركوع والسجود ، وقرأ جمهور الناس « وأذّن » بشد الذال ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن محيصن « وآذن » بمدة وتخفيف الذال وتصحف هذا على ابن جني ، فإنه حكى عنها « وأذن » فعل ماض وأعرب عن ذلك بأن جعله عطفا على
بَوَّأْنا
، وروي أن إبراهيم عليه السلام لما أمر بالأذان بالحج قال يا رب وإذا ناديت فمن يسمعني ؟ فقيل له ناد يا إبراهيم فعليك النداء وعلينا البلاغ فصعد على أبي قبيس وقيل على حجر المقام ونادى : أيها الناس ، إن اللّه قد أمركم بحج هذا البيت فحجوا واختلفت الروايات في ألفاظه عليه السلام واللازم أن يكون فيها ذكر البيت والحج ، وروي أنه يوم نادى أسمع كل من يحج إلى يوم القيامة في أصلاب الرجال وأجابه كل شيء في ذلك الوقت من جماد وغيره لبيك اللهم لبيك ، فجرت التلبية على ذلك ، قاله ابن عباس وابن جبير ، وقرأ جمهور الناس « بالحج » بفتح الحاء ، وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها ، و
رِجالًا
، جمع راجل كتاجر وتجار ، وقرأ عكرمة وابن عباس وأبو مجلز وجعفر بن محمد « رجّالا » بضم الراء وشد الجيم ، ككاتب وكتاب ، وقرأ عكرمة أيضا وابن أبي إسحاق « رجالا » بضم الراء وتخفيف الجيم ، وهو قليل في أبنية
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 117 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى