تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

سورة المسد

وهي مكية بإجماع . قوله عزّ وجل :

[ سورة المسد ( 111 ) : الآيات 1 إلى 5 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ( 2 ) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ( 3 ) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ( 4 ) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ( 5 ) روي في الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما نزلت عليه :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
[ الشعراء : 214 ] قال : « يا صفية بنت عبد المطلب ، ويا فاطمة بنت محمد لا أملك لكما من اللّه شيئا سلاني من مالي ما شئتما » ، ثم صعد الصفا فنادى بطون قريش : « يا بني فلان ، يا بني فلان » ، وروي أنه صاح بأعلى صوته : « يا صباحاه » فاجتمعوا إليه من كل وجه ، فقال لهم : « أرأيتم لو قلت لكم إني أنذركم خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم ، قال : فإني نذير بين يدي عذاب شديد ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ، ألهذا ، جمعتنا » ؟ فافترقوا عنه ونزلت السورة ، و
تَبَّتْ
معناه : خسرت ، والتباب : الخسار والدمار ، وأسند ذلك إلى اليدين من حيث اليد موضع الكسب والربح وضم ما يملك ، ثم أوجب عليه أنه قد تب أي حتم ذلك عليه ، ففي قراءة عبد اللّه بن مسعود : « تبت يدا أبي لهب وقد تب » ، و « أبو لهب » : هو عبد العزى بن عبد المطلب ، وهو عم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن سبقت له الشقاوة ، وقرأ ابن كثير وابن محيصن : « أبي لهب » بسكون الهاء ، وقرأ الباقون : بتحريك الهاء ، ولم يختلفوا في فتحها في
ذاتَ لَهَبٍ
، وقوله تعالى :
ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ
يحتمل أن تكون
ما
نافية ، ويكون الكلام خبرا عن أن جميع أحواله الدنياوية لم تغن عنه شيئا حين حتم عذابه بعد موته ، ويحتمل أن تكون
ما
استفهاما على وجه التقرير أي أين الغناء الذي لماله ولكسبه ؟
وَما كَسَبَ
: يراد به عرض الدنيا من عقار ونحوه ، أو ليكون الكلام دالا على أنه أتعب فيه نفسه لم يجئه عفوا لا بميراث وهبة ونحوه ، وقال كثير من المفسرين : المراد ب
ما كَسَبَ
بنوه ، فكأنه قال :
ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ
وولده ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « خير ما كسب الرجل من عمل يده وإن ولد الرجل من كسبه » ، وروي أن أولاد أبي لهب اختصموا عند ابن عباس فتنازعوا وتدافعوا ، فقام ابن عباس ليحجز بينهم ، فدفعه أحدهم ، فوقع على فراشه ، وكان قد كف بصره فغضب وصاح : أخرجوا عني الكسب الخبيث ، وقرأ الأعمش وأبي بن كعب : « وما اكتسب » وقوله :
سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ
حتم عليه بالنار وإعلام بأنه يوافي على
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 534 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى