تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
يقال في الخاص : سغب الرجل إذا جاع . وقوله تعالى :
ذا مَقْرَبَةٍ
معناه : ذا مقربة لتجتمع الصدقة والصلة ، وهذا نحو ما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لزينب امرأة عبد اللّه بن مسعود : « تصدقي على زوجك فهي صدقة لك وصلة » ، و
أَوْ
في قوله
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ
فيها معنى الإباحة ومعنى التخيير ، لأن الكلام يتضمن معنى الحض والأمر فيها أيضا معنى التفضيل المجرد ، لأن الكلام يجري مجرى الخبر الذي لا تكون
أَوْ
فيه إلا منفصلة ، وأما معنى الشك أو الإبهام فلا مدخل لها في هذه الآية ، والإبهام نحو قوله تعالى :
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ
[ سبأ : 24 ] ، وقول أبي الأسود : [ الوافر ]
أحب محمدا حبا شديدا * وعباسا وحمزة أو عليا
و
ذا مَتْرَبَةٍ
معناه : مدقعا قد لصق بالتراب وهذا مما ينحو إلى أن المسكين أشد فاقة من الفقير ، قال سفيان : هم المطروحون على ظهر الطريق قعودا على التراب لا بيوت لهم . وقال ابن عباس هو الذي يخرج من بيته ثم يقلب وجهه إلى بيته مستيقنا أنه ليس فيه إلا التراب ، وقوله تعالى :
ثُمَّ كانَ
معطوف على قوله
اقْتَحَمَ
وتوجه فيه معاني ،
فَلَا اقْتَحَمَ
المذكورة من النفي والتحضيض والدعاء ، ورجح أبو عمرو بن العلاء قراءته فك بقوله
ثُمَّ كانَ
، ومعنى قوله
ثُمَّ كانَ
أي كان وقت اقتحامه العقبة
مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
وليس المعنى أنه يقتحم ، ثم يكون بعد ذلك لأن الاقتحام كان يقع من غير مؤمن وذلك غير نافع . وقوله تعالى :
وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
معناه : على طاعة اللّه وبلائه وقضائه وعن الشهوات والمعاصي . و
بِالْمَرْحَمَةِ
، قال ابن عباس : كل ما يؤدي إلى رحمة اللّه تعالى . وقال آخرون : هو التراحم وعطف بعض من الناس على بعض ، وفي ذلك قوام الناس ولو لم يتراحموا جملة هلكوا ، و
الْمَيْمَنَةِ
مفعلة ، وهي فيما روي عن يمين العرش ، وهو موضع الجنة ومكان المرحومين من الناس ، و
الْمَشْأَمَةِ
الجانب الأشأم وهو الأيسر ، وفيه جهنم ، وهو طريق المعذبين يؤخذ بهم ذات الشمال ، وهذا مأخوذ من اليمن والشام للواقف بباب الكعبة متوجها إلى مطلع الشمس ، واليد الشؤمى هي اليسرى ، وذهب الزجاج وقوم إلى ذلك من اليمن والشؤم ، وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم « موصدة » على وزن موعدة وكذلك في سورة الهمزة ، وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم « مؤصدة » بهمز الواو في السورتين ، ومعناهما جميعا ، مطبقة معلقة . يقال : أوصدت وآصدت ، بمعنى أطبقت وأغلقت ، فهي « موصدة » دون همز من أوصدت ، وقد يحتمل أن يهمز من يراها من أوصدت من حيث قبل الواو حرف مضموم على لغة من قرأ بالسوق ، ومنه قول الشاعر [ جرير ] : أحب المؤقدان إليّ مؤسى بالهمز فيهما ، و « مؤصدة » من آصدت ، ويحتمل أن تسهل الهمزة فتجيء « موصدة » من أصدت ومن اللفظة الوصيد . وقال الشاعر [ الأعشى ] : [ الكامل ]
قوما يعالج قملا أبناؤهم * وسلاسلا حلقا وبابا موصدا
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 486 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى